تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولولا ثلاث هن من عيشة

وجدك لم أحفل متى قام عودي ... إلخ.

أما زهير الحكيم الرزين الوقور فيرى رأيا غير رأي طرفة الشاب الغر اللاهي، فهو يرى أن الفتى إنما هو من استكمل الفصاحة في لسانه، والقوة في حنانه، وأن الشيخ لا أمل فيه للإصلاح، وأن الفتى هو موضع الأمل في الصلاح:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده

فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

وأن سفاه الشيخ لا حلم بعده

وأن الفتى بعد السفاهة يحلم

وعلى كل حال فطرفة وزهير يتفقان في أن من صفات الفتى الشجاعة وقوة القلب، وأن الفتوة وصف من أوصاف الشباب، ويختلفان في أن طرفة يرى من الفتوة اللهو والاستمتاع بالحياة، وزهيرا يرى الفتوة في الجد والعقل والفصاحة، ومصدر الخلاف أن طرفة كان فتى تتملكه العاطفة، وزهيرا كان شيخا رزينا حكيما مجربا، وربما ظل النظران في الإسلام كما كانا أيام طرفة وزهير كما سنرى.

وعلى كل حال فقد استعملت كلمة الفتى في الجاهلية مطلقة ومضافة، فإذا أضيفت تعين مدلولها مدحا وذما، فقد يقولون: فتى صدق، وفتى سوء، قال مسكين الدارمي:

وفتيان صدق لست مطلع

على سر بعض غير أني جماعها

وقال المرار بن منقذ:

وكائن من فتى سوء تراه

يعلك هجمة حمرا وجونا

74

وإذا أطلق استعمل في المدح، وأكثر ما يدل على الشباب والشجاعة والكرم.

ولم يكن للفتوة نظام كالذي عرف بعد في الإسلام، وكل ما نراه أنهم يستعملون - مثلا - «فتيان القبيلة» يعنون بها شبانهم الأبطال، فيقولون: فتيان قريش، وفتيان تميم، قال المرار بن منقذ:

وأنا المذكور من فتيانها

بفعال الخير إن فعل ذكر

أعرف الحق فلا أنكره

وكلابي أنس غير عقر

لا ترى كلبي إلا آنسا

إن أتى خابط ليل لم يهر

وقال المزرد:

وقد علمت فتيان ذبيان أنني

أنا الفارس الحامي الذمار

كذلك لا نعلم لباسا خاصا للفتيان، ولكن روي لنا أن أبطال العرب في الحروب كانوا يتخذون لهم شعارا، قال الحصين بن الحمام:

بآية أني قد فجعت بفارس

إذا مرد الأقوام أقدم معلما

وفسروا «المعلم» بأنه الذي يجعل لنفسه علما في الحروب يعرف به، يفعل ذلك ليعرف فيثبت ولا ينهزم مع من انهزم، لخوف العار إذا انهزم بعد أن علم، وقد رووا أن حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه يوم بدر أعلم نفسه بريش نعامة، فقال بعض المشركين: من المعلم بريش نعامة، فقيل: حمزة، فقال: «ذلك الذي فعل بنا الأفاعيل.».

واستعمل القرآن «فتى» وصفا لإبراهيم (

صلى الله عليه وسلم ):

قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ، واستعمله وصفا لأهل الكهف:

إنهم فتية آمنوا بربهم ،

إذ أوى الفتية إلى الكهف ؛ وقد فسر في الموضعين بالشباب، وقد جاء الإسلام باستعمال خاص لكلمة فتى، ذلك أنه لم يرض أن يسمى الرقيق المملوك عبد فلان وأمة فلان، وكره العبودية تضاف لغير الله، فاختار لهما اسما محبوبا وهو الفتى والفتاة، جاء في الحديث: «لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، ولكن ليقل فتاي وفتاتي»، وعلى هذا المعنى ورد قوله تعالى:

وإذ قال موسى لفتاه ، وقوله:

ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ،

وقال لفتيانه .

وأطلقت الكلمة على الرقيق حتى سئل أبو يوسف عمن قال: «أنا فتى فلان»، فقال: هو إقرار منه بالرق، وكأنه اختير خير الألفاظ الدالة على الحرية للدلالة على الرق طلبا لحسن معاملة الرقيق، حتى فيما يطلق عليهم من لفظ.

ولكن ظلت كلمة الفتى تستعمل في المعنى الأول، وهو الشجاعة والفروسية في الشباب، فقالوا: «لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي»، وكان علي كما جاء في الإصابة «قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام».

ولما مات مخلد بن يزيد بن المهلب، وهو ابن سبع وعشرين سنة، وكان شهما نبيلا، صلى عليه عمر بن عبد العزيز، ثم قال: اليوم مات فتى العرب، وقال يزيد بن مفرغ:

فالهول يركبه الفتى

حذر المخازي والسآمه

والعبد يقرع بالعصا

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٨٧