تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحر تكفيه الملامه

ونجد في العهد الأموي أمرا يستوقف النظر، فقد ذكر الأغاني في ترجمة حنين الحيرى كلمات في الفتوة تستحق الإمعان، وكان حنين هذا مغنيا نصرانيا من الحيرة، وكان في أيام هشام بن عبد الملك، ومن شعره الذي كان يغني به:

أنا حنين ومنزلي النجف

وما نديمي إلا الفتى القصف

أقرع بالكاس ثغر باطية

مترعة تارة وأغترف

من قهوة باكر التجار بها

بيت يهود قرارها الخزف

والعيش غض ومنزلي خصب

لم تغذني شقوة ولا عنف

فقال فيه صاحب الأغاني: «كان حنين غلاما يحمل الفاكهة بالحيرة، وكان لطيفا في عمل التحيات

75 ، فكان إذا حمل الرياحين إلى بيوت «الفتيان» ومياسير أهل الكوفة وأصحاب القيان والمتطربين إلى الحيرة، ورأوا رشاقته وحسن قده وحلاوته وخفة روحه، استحلوه وأقام عندهم، وخف لهم، فكان يسمع الغناء ويشتهيه ويصغي إليه، ويستمعه ويطيل الإصغاء إليه.».

وقال في موضع آخر عن حنين فيما حكى عن نفسه: «خرجت إلى حمص ألتمس الكسب بها، وأرتاد من أستفيد منه شيئا، فسألت عن «الفتيان» بها وأين يجتمعون، فقيل لي: عليك بالحمامات، فجئت إلى أحدها فدخلته فإذا فيه جماعة منهم، فأنست وانبسطت وأخبرتهم أني غريب، ثم خرجوا وخرجت معهم، فذهبوا بي إلى منزل أحدهم؛ فلما قعدنا أتينا بالطعام فأكلنا، وأتينا بالشراب فشربنا، فقلت لهم: هل لكم في مغن يغنيكم؟ قالوا: ومن لنا بذلك.» ... إلخ.

هذان النصان يستفاد منهما: (1)

أن هناك فئة تسمى الفتيان كانوا في الحيرة وكانوا في حمص، ولا بد أنهم كانوا في غيرهما، ولكن لم تأت مناسبة تستدعي ذكر غيرهما. (2)

وأن هؤلاء الفتيان ليسوا كل شباب، وإنما نوع خاص منهم يظهر من عبارته أنهم من المياسير، وممن لهم حظ في السماع والشراب وما إليهما. (3)

وأنهم كان لهم مجتمعات خاصة يعرفون فيها بالبلدة، يسأل عنها الغرباء أمثال حنين الفتى المغني فيقصدهم لقضاء أيام بينهم؛ فهؤلاء الفتيان يضيفون حنينا وأمثاله، ويقدمون إليهم ما يحتاجون له من مأكل ومشرب ومبيت، ويقضون أوقاتهم في حديث وسماع.

يضاف إلى ذلك أن أنواعا من الفروسية عني بها الشباب في العهد الأموي كعنايتهم بالصيد وتربية الحيوانات المعلمة يطلقونها على الصيد، فقد روى الفخري: «أن يزيد بن معاوية كان أشد الناس كلفا بالصيد لا يزال لاهيا به، وكان يلبس كلاب الصيد الأساور من الذهب والجلال المنسوجة منه، ويهب لكل كلب عبدا يخدمه.»

76

كما أخذوا عن الفرس اللعب بالبندق، وهو كرات صغيرة من طين أو حجر أو رصاص يرمى بها عن قوس لصيد الطير أو نحوه، وسموه أيضا الاسم الفارسي وهو الجلاهق، وليس ببعيد أن تتصل ألعاب الفروسية هذه بالفتوة، ولكن على كل حال لا تزال النصوص التي بين أيدينا عن مدلول الفتوة في هذا العصر قاصرة.

إذا انتقلنا بعد ذلك إلى العصر العباسي وجدنا كلمة «الفتوة» استعملت في أربعة معان:

فأولا:

كانت تستعمل للدلالة على المروءة من نبل وكرم وما إليهما، من ذلك ما جاء في كتاب أدب النديم لكشاجم: «أن رجلا من أصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر دعاه للطعام عنده، دعوة احتفل لها، فلما حضر محمد طالبه بالطعام فمطله، ليتكامل ويتلاحق على ما أحبه من الكثرة والحفلة، حتى تصرم أكثر النهار؛ ومس محمدا الجوع، فتنغص عليه يومه، وأراد محمد السفر فشيعه هذا الرجل حتى إذا دنا منه ليودعه قال له: «أيأمر الأمير بشيء؟»؛ قال: «نعم! تجعل طريقك في عودتك على محمد بن الحارث، فاسأله أن يعلمك الفتوة» فمضى حتى دخل إلى محمد فقال له: «بعثني إليك الأمير لتعلمني الفتوة»؛ فضحك وقال: «يا غلام! هات ما حضر»، فأتى بطبق كبير عليه ثلاثة أرغفة من أنظف الخبز وأنقاه، وسكرجات وخل وملح من أجود ما يتخذ من هذه الأصناف، وابتدأ يأكل، فجاءته فضيلة باردة من مطبخه وتداركها الطباخ بطباهجة وأحدث له بعض فنجان جام حلوا، فانتظم له أكل خفيف ظريف في زمان يسير وبغير احتشام وانتظار.».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٨٨