ثم نقل حدود الأدب إلى أبعد مدى، فبعد أن كان الأدب مقصورا على الأقوال اللبقة الجميلة جعله شاملا لكل موضوعات الحياة.
رحم الله الجاحظ، فقد تثقف فأجاد في ثقافته، وعرض معارف الناس لوقته فأجاد في عرضه. (3) الفتوة في الإسلام
لكل كلمة تاريخ يشبه تاريخ الرجال وتاريخ النظم السياسية، وتاريخ الكلمات قد يكون معقدا ملتويا غامضا، كما يحدث في غيره من أنواع التاريخ، فيجتهد الباحث في استعراض النصوص الكثيرة في العصور المختلفة، ليستخلص مها تقلبات الكلمة في أوضاعها المختلفة؛ وهذا ما أحاوله في كلمة الفتى والفتوة.
الفتوة؛ معناها في الأصل الشباب، قالوا: فتي يفتى؛ أي: صار شابا، وقالوا: هو فتي السن بين الفتاء، وقد ولد له في فتاء سنه أولاد؛ أي: في شبابه، وأصل كلمة فتى مصدر فتى فتى كمرح مرحا، ثم جعلت وصفا فقيل: هو فتى؛ أي: شاب، وجمعوا الفتى على فتيان وفتو وفتية، والاسم من ذلك كله الفتوة
73 ، ووصفوا بالفتوة الحيوان والإنسان فقالوا: إن الأفتاء من الدواب خلاف المسان، وقالوا للشاب فتى، وللشابة فتاة.
ثم نراهم نقلوا الكلمة نقلة أخرى، فاستعملوها لا للدلالة على القوة، فقد يكون الشاب ضعيفا فاتر القوى ويسمى بالوضع الأصلي شابا وفتى، فاستعملوها للدلالة على القوة؛ لأن الشباب عنوان القوة، قال ابن قتيبة: ليس الفتى بمعنى الشباب والحدث، إنما هو بمعنى الكامل الجزل من الرجال، يدل على ذلك قول الشاعر:
إن الفتى حمال كل ملمة
ليس الفتى بمنعم الشبان
ويقول آخر:
يا عز هل لك في شيخ فتى أبدا
وقد يكون شباب غير فتيان
فالفتوة - على هذا - معناها القوة؛ لأن الشباب مصدرها عادة، ومن هذا المعنى - على ما يظهر - تسميتهم الليل والنهار باسم الفتيان، ومن أقوى من الليل والنهار في إذلال كل عزيز وإضعاف كل قوي؟ ومنه قول الشاعر:
ما لبث الفتيان أن عصفا بهم
ولكل قفل يسرا مفتاحا
ثم من أحق منهما بأن يسميا فتيين، وقد سميا قبل بالجديدين؟ ففتوة الناس مرحلة قصيرة المدى، وفتوة الليل والنهار متجددة أبدا.
ثم رأيناهم نقلوا معنى الفتى نقلة ثالثة، من ذلك ما قال الجوهري: الفتى السخي الكريم، وقال الزمخشري في الأساس: الفتوة هي الحرية والكرم.
قال عبد الرحمن بن حسان:
إن الفتى لفتى المكارم والعلا
ليس الفتى بمغملج الصبيان
فكأنهم في هذا لاحظوا المعنى أكثر مما لاحظوا المادة، لاحظوا المعاني التي تكسب صاحبها القوة المعنوية من حرية وكرم أكثر مما لاحظوا القوة الجسمية، وهذا - عادة - هو ما يحدث في الأوصاف، كالشجاعة، كانت لا تطلق إلا على القوة البدنية، ثم لما أمعن الناس في الحضارة اخترعوا ما سموه الشجاعة الأدبية، يعنون بها الجهر بالحق مع التعرض للأخطار.
وفي هذه النقلة يظهر أن الكلمة أصبحت خاضعة للبيئات المختلفة، تلبسها كل بيئة ما تنشده المثل الأعلى للفتى، فطرفة يرسم لنا صورة للفتى كما يتصورها هو وبيئته فيقول:
إذا القوم قالوا من «فتى» خلت أنني
عنيت فلم أكسل ولم أتبلد
أحلت عليها بالقطيع فأجذمت
وقد خب آل الأمعز المتوقد
فذالت كما ذالت وليدة مجلس
ترى ربها أذيال سحل ممدد
ولست بحلال التلاع مخافة
ولكن متى يسترفد القوم أرفد
فإن تبغني في حلقة القوم تلقني
وإن تلتمسني في الحوانيت تصطد
وإن يلتق الحي الجميع تلاقني
إلى ذروة البيت الشريف المصمد
فهو يقول: إذا ما سأل القوم عن «فتى» ينجدهم في الملمات لم يجدوا الفتوة متوافرة في أحد توافرها في، ثم علل استيفاءه للفتوة بأنه سرعان ما يهوي إلى ناقته يضربها بالسياط، لتسرع في السير للإنجاد، فتتبختر في مشيتها كما تتبختر سيدة ترقص بين يدى سيدها، هذه أولى الصفات.
وثانية، وهي أنه لا يلجأ إلى التلاع مخافة حلول الأضياف، فهو واسع الرحب في قرى الضيوف؛ كما هو سريع النجدة في قتال الأعداء، وهو - إلى ذلك - في حياته جاد هازل يدلي برأيه بين عظماء القوم عندما يجد الجد؛ لأنه شريف النسب عالي الحسب، فإذا فرغ الجد ودعا داعي اللهو فهو في الحانات يشرب، وندماؤه أحرار كرام تتلألأ ألوانهم وتشرق وجوههم وتغنيهم مغنية لابسة بردا أو ثوبا صبغ بالزعفران، فالفتوة في نظره ونظر أمثاله شجاعة وكرم وإتلاف للمال في الجد والهزل وعدم الاعتداد بالحياة في سلم أو حرب، وقد شرح هذه الخصال بعد في قوله: