كل هذا إذا كان أمام عقل جبار كعقل الجاحظ، وقلم متدفق كقلم الجاحظ أخرج لنا ثروة ضخمة هائلة كثروة الجاحظ. (9)
تثقف الثقافة العربية أدبية ودينية فشرب منها حتى الثمالة، وتثقف الثقافة الفارسية الأدبية منها والدينية؛ وعرف لغتها فنقل منها الكلمات والجمل بنصها في كتبه، وأخذ يفسر معانيها، وتثقف اليوناينة ونقل منها فيما كتب في حيوان وفلسفة وطب وفراسة، وحتى حكى عنهم حكاية الممرورين منهم، ومزج ذلك كله مزجا غريبا لا كمزج الماء بالزيت ولكن كذوب السكر في الماء، وأخرج من ذلك شرابا حلوا سائغا للشاربين.
يعرض للموضوع فيحكي فيه قول العربي الجاهلي، ويتبعه بقول أرسطو الفيلسوف اليوناني، ثم قد يتبعه بقول المجوس الفارسي، وقد يقف بعد ذلك يقص تجاربه الشخصية، ويحكم الواقع والتجارب في كل ما قالوا، وينتهي من ذلك كله إلى نتيجة يحسن السكوت عليها.
في العلماء من استطاع أن يختزن ويملأ مخازنه بالسلع ثم لم يستطع بعد ذلك أن يعرض سلعه على جمهور الناس، فهو وخالي المخازن سواء، كلاهما لا يستفيد منه الجمهور شيئا، أما الجاحظ فقد وفق في الحالين جميعا، وفق في التحصيل حتى امتلأت مخازنه، ووفق في العرض حتى اجتذب الجماهير، فكان كالتاجر الماهر في الإعلان عن سلعه، الماهر في كيفية عرضها على الأنظار، ووفق في القانون الذي وضعه هو؛ إذ قال: «وينبغي للكاتب أن يكون رقيق حواشي اللسان عذب ينابيع البيان، إذا حاور سدد سهم الصواب إلى غرض المعنى، لا يكلم العامة بكلام الخاصة، ولا الخاصة بكلام العامة.» ولذلك رزق الحظوة عند القراء وبلغت شهرته الآفاق، قال رجل لأبى هفان: لم لا تهجوا الجاحظ وقد ندد بك وأخذ بمخنقك؟ فقال: أمثلي يخدع عن عقله؟ والله لو وضع رسالة في أرنبة أنفي لما أمست إلا بالصين شهرة، ولو قلت فيه ألف بيت لما طن منها بيت في ألف سنة.
فثقافته التي ثقفها قد هضمها وأخرجها للناس خيرا مما أخذها، أخذها متفرقة وأخرجها مجتمعه، أخذها من منابع مختلفة وعرضها في جدول واحد، أخذها مادة لا حياة فيها، وأخرجها مادة حية بنفسه، حية بآرائه وفكاهته، حية باختياره الموضوعات المناسبة للقول؛ فيثير عواطف السامعين ويزيد انتباههم.
لقد اتجهت تآليفه اتجاهات متعددة، ووسعت مواضيع شتى سعة من جنس سعة ثقافته.
فقد عد له ياقوت في معجم الأدباء نحوا من 127 كتابا لا أمل القارئ بتعداد أسمائها، ولكن أعرض في سرعة بعض موضوعاتها:
فهو يؤلف في التاريخ ككتابه في الإمامة، وكتاب تصويب علي في تحكيم الحكمين ... إلخ، بل يؤلف في فلسفة التاريخ، فله كتاب اسمه «كتاب الأخبار وكيف تجمع».
ويؤلف في الرد على المخالفين وفي الفرق، ككتابه في الرد على النصارى والرد على اليهود، وكتابه في الزيدية والرافضة.
ويؤلف في الأخلاق، كرسالته في الحاسد والمحسود، ورسالته في كتمان السر، ورسالته في الكرم.
ويؤلف في الحيوان، ككتابه المشهور، وفي النبات ككتابه المسمى كتاب الزرع والنخل.
ويؤلف في نظرية المعرفة ككتابه المسمى «كتاب المعرفة»، وكتابه في الرد على أصحاب الإلهام.
ويؤلف في البلاغة والأدب، كالبيان والتبيين، وكتاب صناعة الكلام.
ويؤلف في الاجتماع بأوسع معانيه، ككتابه في المعلمين، وفي الفتيان، وفي اللصوص، وفي الجواري، والمحامين (الوكلاء والموكلين)، والصناعات، وغش الصناعات، وذوي العاهات، والنساء، والسود والبيض، والصرحاء، والهجناء، والعرجان والبرصان.
ويؤلف في الاقتصاد، مثل كتابه تحصيل الأمول؛ وكتابه في الخراج.
ويؤلف في الجغرافيا كتاب البلدان؛ ولا يفوته الطب، فيؤلف كتابه في نقض الطب. •••
هذه بعض نواحيه، وهي في منتهى السعة والتعدد.
نعم إنه غلب عليه في معالجة هذه الموضوعات الناحية الأدبية لا الناحية الفنية أو العلمية الصرفة، فهو يؤدب كل شيء تكلم فيه حتى الزرع والنخل، والأسد والثعلب، ولكن شأنه في ذلك شأن علماء العصر الحاضر أرادوا أن يقطروا العلم للجمهور فأدبوه وجعلوه في شكل قصة، وفي أسلوب أدبي مشوق، فقد فعل الجاحظ قبل أحد عشر قرنا ما نحاول عمله اليوم من مزج العلم بالأدب، وقد كان الأدب قبله في كثير من أنواعه ليس إلا شقشقة لفظية.