كل شيء يقع تحت حسه موضع لدرسه وموضع لأدبه؛ فالحيوانات والنباتات، والصناع والصنائع والمجتمعات والفكاهات، والرحلات والكرماء والبخلاء والأغبياء والأذكياء؛ وعلى الجملة كل شيء وقعت عليه ملاحظته، فكأنه منح من الحواس، ما لم يمنحه الناس.
دقت ملاحظته في طبائع الأشياء وفي نفوس الناس وفي طبيعة المجتمعات فاستخرج من كل ذلك أدبا، على حين أننا نقرأ أدباء عصره كابن قتيبة وغيره فلا نكاد نجدهم يمسون حياتهم الواقعية في شيء.
يجرب بنفسه في كل حقير وجليل، ويمعن في التجربة، ويصوغ ذلك كله أدبا جميلا. •••
ففي الأمور الطبيعية - مثلا -
يراقب الديك هل إذا كان وحده في قرية يصيح أو لا يصيح، ليعلم هل يصيح الديك بالتجاوب أو بطبيعته، ويراقب الدجاج هل تكثر أفراخها إذا كثر عددها أو تقل أفراخها، ويبحث في الخيرى (وهو النبات المعروف عندنا بالمنثور) لماذا ينضم ورقه بالليل وينتشر بالنهار.
ويلاحظ قتالا بين قط وفأر كان عنده في بيت الحطب، وانجلت المعركة عن هرب الفأر بعدما فقأ عين القط.
ويراقب برنية زجاج فيها عشرون عقربا وعشرون فأرا، وما نتيجة لسع العقرب للفأر وكيف ورم، ويريد أن يغرس الأراك في بيته على النمط الذي حكوه في زراعته ليجرب قوله بنفسه.
ويذهب إلى أهل الحرف المختلفة يسألهم عن معلوماتهم في اختصاصاتهم فيقول: «سألت بعض العطارين من أصحاب المعتزلة عن فأرة المسك فقال: ليس بالفأرة وهو بالخشف أشبه، ثم قص علي شأن المسك وكيف يصنع.» ويذهب إلى الحوائين ويسألهم عن معلوماتهم في الحيات، ويقرأ في كتاب الحيوان لأرسطو أن ريح السذاب يشتد على الحيات فيذهب الجاحظ ويحضر أفعى ويلقي عليها السذاب ثم يقول: «فما كان السذاب عندها إلا كسائر البقل.» إلى كثير من أمثال ذلك.
ومن الناحية النفسية - مثلا -
يبحث في مناغاة الطفل للنار ويقول: «إن الطفل لا يناغي شيئا كما يناغي المصباح، وتلك المناغاة نافعة له في تحريك النفس فتهيج الهمة وتبعث على الخواطر في فتق اللهاة وتشديد اللسان والسرور الذي له في النفس أكرم أثر.» ويصف شعوره الدقيق بالجمال فيقول: «إنه إذا رأى الديك والدجاجة أو الذئب أو الكلب تشرب الماء وكان عطشان يذهب عطشه من قبح شرب هذه الحيوانات، وإذا رأى شرب الحمام وكان ريان يشتهي أن يكون في ذلك الماء معه لجمال حسنه.» إلى كثير من أمثال ذلك أيضا.
ويبحث في الغيرة عند الرجل هل هي طبيعية فيه أو هي شيء تصطنعه المدنية، وما الفرق بينها وبين الأنفة والحمية.
وأما الناحية الاجتماعية
فقد أبدع فيها كل إبداع؛ يصف نوادي القمار، والخاطبات بين النساء والرجال، وحياة الفتيان، وطمع النجار، وطائفة المعلمين والمغنين، والشرب والشراب، إلى ما لا يمكن أن يستقصى.
وقد منحه الله عمرا طويلا ولسانا كذلك طويلا، فما أكثر ما جرب، وما أجود وصفه لتجاربه. (8)
وقد ساعده على هذه التجارب تنقله في أوساط اجتماعية مختلفة؛ فهو ناشئ فقير يبيع الخبز والسمك في الأسواق ليكسب قوته، ويكسب بجانب ذلك دراسته العملية للأسواق، وهو في حلقة الدروس بين رجال علم وأدب ورجال دين؛ ثم هو كاتب في ديوان الرسائل مختلط بأهل الديوان، يعرف أخبارهم ومناحيهم في الحياة، ثم هو نديم للوزير ابن الزيات يسامره ويؤاكله ويقع تحت نظره كل صنوف الحياة الأرستقراطية، ويتصل بالفتح بن خاقان أقرب المقربين إلى المتوكل: ويشهد العداء الحار بين الوزيرين ابن الزيات وابن أبي دؤاد ويكتوي بنار الخصومة بينهما، ويقبض عليه ويوضع في القيد، ثم يطلق سراحه بدهائه، كل هذا أطلعه على جوانب الحياة من ألفها إلى يائها.
ثم يرحل من البصرة إلى بغداد، ومن بغداد إلى دمشق وحمص، ويدرس البلد الذي يرحل إليه في عمق، حتى براغيث حمص والفرق بينها وبين براغيث العراق، وحتى لا يجد في حمص عقارب فيتساءل عن سبب ذلك، فيقولون له: إن بها طلسما يمنع من وجود العقارب بها، فلا يرضيه هذا التعليل، ويعلله باحتمال وجود حيوانات بها تهرب منها العقارب، أو عدم صلاحية الجو لها أو نحو ذلك.