صلى الله عليه وسلم : «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، كما كان من شيوخ الجاحظ أبو يوسف صاحب أبي حنيفة وقاضي الرشيد، فقد روى عنه الجاحظ بعض الحديث. (5)
ثم تثقف ثقافة الاعتزال، وكان أهم أستاذ له في ذلك «النظام»، وثقافة الاعتزال أوسع الثقافات برنامجا، فقد كان الاعتزال يتطلب من رجاله مطالب عسيرة، يتطلب: (أ)
علما واسعا بالديانات الأخرى من يهودية ونصرانية ومجوسية ومانوية وغيرها؛ لأن المعتزلة نصبوا أنفسهم للدعوة إلى الإسلام، ورأوا أنه لا يتيسر لهم ذلك على الوجه الأكمل إلا بمعرفة دقيقة بدينهم وبدين غيرهم، والاستعداد التام للدخول في الجدل والمناظرة دفاعا وهجوما، فعرفوا الأديان الشائعة في عصرهم وعرفوا مواضع المهاجمة فيها، وتسلحوا بأسلحة خصومهم. (ب)
واضطرهم ذلك إلى معرفة الفلسفة اليونانية؛ لأن خصومهم من اليهود والنصارى، كانوا قد اتخذوها أداة للدعوة إلى دينهم، والنصرة على خصومهم فتسلحوا بالمنطق والميتافيزيقا الأرسططاليسية.
وكانت فلسفة أرسطو فيها دراسة للحيوان فدرسوه، وفيها طبيعة فدرسوها، وفيها سياسة فنظروا فيها؛ ولكنهم صبغوا ذلك كله بروحهم الديني، فإذا بحث أرسطو في الحيوان بحثا مجردا بحثها المعتزلة للدلالة على قدرة الله وعلى إبداعه، واتخذوا منها دليلا على بطلان الإلحاد وفساد الشرك، فقائلهم بشر بن المعتمر يقول القصائد الطوال في الحيوان وعجائبه ويختم ذلك بقوله:
سبحان رب الخلق والأمر
ومنشر الميت من القبر
فاصبر على التفكير فيما ترى
ما أقرب الأجر من الوزر
وأرسطو نظر في الطبيعة نظرا علميا بحتا، ونظر فيها المعتزلة نظرا علميا ودينيا معا:
لو فكر العاقل في نفسه
مدة هذا الخلق في العمر
لم ير إلا عجبا شاملا
أو حجة تنقش في الصخر (ج)
بل نظروا إلى الفرق الإسلامية الأخرى كما نظروا إلى غير المذاهب الإسلامية فجادلوهم وخاصموهم واحتجوا عليهم بالقرآن كما احتجوا على أرباب الأديان بالعقل.
كل هذا دعاهم إلى أن يتثقفوا ثقافة في منتهى السعة، ثقافة في الإسلام نفسه، وثقافة في الأديان الأخرى، وثقافة فلسفية في المنطق واللاهوت والطبيعة والكيميا والحيوان والنبات وغير ذلك.
قالوا بسلطة العقل وقال قائلهم:
لله در العقل من رائد
وصاحب في العسر واليسر
وحاكم يقضي على غائب
قضية الشاهد للأمر
فنازلهم رجال النقل فاستعدوا لهم:
وقالوا بالإيمان والتوحيد، فنازلهم رجال الإلحاد والشرك فاستعدوا لهم، وهكذا كثرت خصومهم فكثر استعدادهم وكثرت أسلحتهم، فاتسعت ثقافتهم إلى أقصى حد.
وكان الجاحظ من رجالات المعتزلة البارزين، فكان رأسا في المعتزلة فكان لا بد أن يكون رأسا في الثقافة. (6)
هذا كله نمط واحد من نمط ثقافة الجاحظ، وهو الأخذ عن المشايخ كل في فنه، فاللغة على رجالها، والحديث على رجاله، والاعتزال على أئمته، وكان له منبع آخر من الثقافة وهو اعتماده على الكتب يقرؤها بنفسه لنفسه، وكان العلماء؛ إذ ذاك يكرهون من يأخذ العلم عن الكتب ولا يثقون به ويسمونه الصحفي؛ أي: أنه يأخذ العلم عن الصحيفة لا عن الأستاذ، ولكنه لا عيب في ذلك بعد النضوج وأخذ الأصول عن المشايخ.
وقد عكف الجاحظ على قراءة الكتب وصبر عليها واستفاد منها فوائد لا تحصى، قال أبو هفان: «لم أر قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائنا ما كان؛ حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر.».
غرام بالعلم غريب يحمله على أن يستأجر المكتبة من صاحبها ثم يسهر عليها لياليه ليستوعب ما فيها. (7)
ومنبع ثالث من منابع ثقافته يستخدمه الجاحظ أحسن استخدام وأدقه وأوسعه، ولا أعلم له في ذلك نظيرا ممن قبله أو عاصره؛ ذلك أنه أنغمس في الحياة الواقعية واستفاد منها ما أمكنه، وجعل منها موضوعات لأدبه؛ فإن كان سقراط قد استنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، فالجاحظ قد استنزل الأدب من السماء إلى الأرض.