وظل يحصل هذه المعلومات المتنوعة المختلفة وينشرها قرنا كاملا تقريبا، وقد منحه الله ذكاء نافذا وصبرا غريبا، وذهنا لاقطا، وحافظة أمينة، وزمنا مباركا، فتيسر له من ذلك كله ما لم يتيسر لأحد غيره في عصره.
ولكن كيف حصل هذه المعارف وما هي الوسائل التي انتهجها في تحصيلها؟
لقد بدأ يأخذ العلم عن شيوخ عصره: (1)
فكان في فجر عهده بالتعليم ثلاثة نجوم لامعة في اللغة والأدب: الأصمعي، وأبو عبيدة، وأبو زيد الأنصاري، وكان لكل منهم ظاهرة.
فأما الأصمعي فكان عالما واسع العلم باللغة، وواسع العلم بالشعر العربي، يحفظ الكثير من قصائده وأراجيزه، له نغمة لطيفة في إنشاده، وكان فوق ذلك يعرف ملح العرب ونوادرهم وفكاهاتهم، ينادم الخلفاء والأمراء بها فيضحكهم وينال من عطائهم.
وكان أبو عبيدة لا يصل إلى درجة الأصمعي في اللغة والشعر والنوادر، ولا كان خفيف الروح خفته، ولكن كان واسع العلم بأنساب العرب، يعرف القبائل وتسلسلها ومثالبها ومفاخرها؛ وكان واسع العلم بأيام العرب، وما كان بين قبائلها من حروب، ومن انتصر ومن انهزم؛ وكان يعرف أخبار الأمم وأحداثها التاريخية؛ وكان فوق ذلك رجلا داهية ماكرا أميل إلى النزعة الشعوبية.
وأما أبو زيد الأنصاري فكان رجلا طيب القلب أولع بغريب اللغة، وكان ثقة صادقا، يتحرى في روايته وعلمه أكثر مما يتحرى الأصمعي وأبو عبيدة، ويسميه سيبويه الثقة، فإذا قال: حدثني الثقة فإياه يعني، ويصفه الجاحظ في كتاب الحيوان بما يفهم منه أنه ثقة وليس بناقد، فما يحكيه فهو صادق في حكايته، ولكنه حاطب ليل، يروي ما يسمع ولا يعرضه للامتحان. •••
هؤلاء الثلاثة هم مثقفو الجاحظ في ناحية من ثقافته، أعني ثقافته اللغوية والإخبارية، والأدبية، وقد تشرب منهم جميعا، وأخذ ما عندهم وتأثر بأرواحهم، فلعل روح الأصمعي الفكهة المضحكة المسامرة شعت على تلميذه الجاحظ فكاهة ودعابة، وقد توسع فيها بما تمده طبيعته وطبيعة عصره، وأخذ من أبي عبيدة مكره ودهاءه مع سعة علمه؛ فكان واسع الحيلة واسع العلم يستطيع أن يكتسب رضاء الوزيرين المتعاديين على التعاقب، ابن الزيات وابن أبي دؤاد، ثم يظهر أنه لم يأخذ من أبي زيد إلا علمه بغريب اللغة، وقد أهمل غفلته فلم يتأثر بها ولم توائم نفسه. (2)
وأخذ الجاحظ النحو على أبي الحسن الأخفش، وكان الجاحظ تلميذه وصديقه، والأخفش - هذا - كان المرجع الأوحد في كتاب سيبويه، فعنه روى ومنه أخذ، وكل الطرق التي روي فيها كتاب سيبويه ترجع آخرا إلى الأخفش، وكان الأخفش من أعلم الناس بطرق الكلام والجدل، يناظر الكسائي فيفحمه، فيتقيه الكسائي بالمال يبذله له، فأفاد الجاحظ منه نحوه وطرقا من جدله وأساليبه في الإفحام. (3)
وأتم الجاحظ ثقافته اللغوية والأدبية في «المربد»، وهو - كما رأينا - مجمع الشعراء ومصدر اللغة والأدب.
فكان الجاحظ يرحل إليه و«يتلقف منه الفصاحة» كما يقول «ياقوت»، فتم له بذلك اللغة والأدب بالمشافهة وبالأخذ عن العلماء. (4)
وله ناحية أخرى دينية، من ذلك أنه تثقف في الحديث فأخذ عن بعض رجاله، وقد حكى في كتاب الحيوان أنه كان يخرج سحرا في طلب الحديث، وحكى أنه وقعت له موقعة مع عدة كلاب ضخام نبحته في السحر.
وكان من أهم شيوخ الجاحظ في الحديث «حجاج بن محمد المصيصي» وهو محدث كبير من أكبر تلاميذ ابن جريج ومن أكبر شيوخ أحمد بن حنبل، وكان حجاج شيخا ثقة صدوقا، مات سنة 206ه ثم اختلط عقله في آخر عمره فكان يقول: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عيسى بن مريم عن خيثمة، فنهي المحدثون عن الأخذ عنه، وقد روى الجاحظ عنه بعض الأحاديث، وقصد الجاحظ بعض المحدثين لأخذ الحديث عنه مثل ما روى: «حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث قال: دخلت على عمرو بن بحر الجاحظ، فقلت له حدثني بحديث فقال: «حدثنا حجاج بن محمد حدثنا حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله