تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أصبح المربد غرضا يقصده الشعراء لا ليتهاجوا، ولكن ليأخذوا عن أعراب المربد الملكة الشعرية، يحتذونهم ويسيرون على منوالهم، فيخرج إلى المربد بشار وأبو نواس وأمثالهما، ويخرج إلى المربد اللغويون يأخذون اللغة عن أهله ويدونون ما يسمعون، روى القالي في الأمالي عن الأصمعي قال: «جئت إلى أبي عمرو بن العلاء فقال لي: من أين أقبلت يا أصمعي؟ قال: جئت من المربد، قال: هات ما معك، فقرأت عليه ما كتبت في ألواحي، فمرت به ستة أحرف لم يعرفها، فخرج يعدو في الدرجة وقال: «شمرت في الغريب» أي غلبتني.»

68 .

والنحويون يخرجون إلى المربد يسمعون من أهله ما يصحح قواعدهم ويؤيد مذاهبهم، فقد اشتد الخلف بين مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة في النحو وتعصب كل لمذهبه، وكان أهم مدد لمدرسة البصرة هو المربد، وفي تراجم النحاة نجد كثيرا منهم من كان يذهب إلى المربد يأخذ عن أهله، ويخرج الأدباء إلى المربد يأخذون الأدب، من جمل بليغة وشعر بليغ وأمثال وحكم، مما خلفه عرب البادية وتوارثوه عن آبائهم، كما فعل الجاحظ، يقول ياقوت: إن الجاحظ أخذ النحو عن الأخفش وأخذ الكلام عن النظام وتلقف الفصاحة من العرب شفاها بالمربد

69 .

وبذلك كان المربد مدرسة من نوع آخر تغير برنامجها في العصر العباسي عن برنامجها في العهد الأموي، وأدت رسالة في هذا العصر تخالف رسالتها في العصر السابق.

آخر الأخبار عن المربد

في ثورة الزنج التي ظهرت في فرات البصرة والتي بدأت سنة 255ه حدث قتال بالمربد بين الزنج وجيش الخليفة، فاحترق المربد، روى الطبري قال: يقول ابن سمعان: فإني يومئذ لفي المسجد الجامع؛ إذ ارتفعت نيران ثلاث من ثلاثة أوجه: زهران والمربد وبني حمان في وقت واحد، كأن موقديها كانوا على ميعاد، وجل الخطب وأيقن أهل البصرة بالهلاك

70 .

وتوالت فيه الحرائق وعوتب شاعر البصرة أبو الحصين بن المثنى على أنه لم يقل شيئا في حريق المربد، مع أن المربد من أجل شوارعها، وسوقه من أجل أسواقها، فقال ارتجالا في آخر حريق لها:

أتتكم شهود الهوى تشهد

فما تستطيعون أن تجحدوا

فيا مربديون ناشدتكم

على أنني منكم مجهد

جرى نفسي صاعدا نحوكم

فمن أجله احترق المربد

وهاجت رياح حنيني لكم

وظلت به ناركم توقد

ولولا دموعي جرت لم يكن

حريقكم أبدا يخمد

71

ويذكر ابن الأثير في حوادث سنة 499 أن سيف الدولة صدقة بن مزيد تقاتل مع إسماعيل، فنهبت البصرة وغنم من معه من عرب البر ... ولم يسلم منهم إلا المحلة المجاورة لقبر طلحة والمربد، فإن العباسيين دخلوا المدرسة النظامية وامتنعوا بها وحموا المربد وعمت المصيبة بأهل البلد سوى من ذكرنا

72 .

ويقول ياقوت «إن المربد كان سوقا للإبل، ثم صار محلة عظيمة سكنها الناس، وهو الآن - (عاش ياقوت حتى سنة 626ه) - بائن عن البصرة، بينهما نحو ثلاثة أميال، وكان ما بين ذلك كله عامرا، وهو الآن خراب، فصار المربد كالبلدة المفردة في وسط البرية.».

ثم عفا أثر المربد، ولم نعد نجد له ذكرا ذا قيمة، وأخنى عليه الذي أخنى على عكاظ، ومات بموته معهدان أدبيان اتصلت حياة الثاني منهما بحياة الأول فقاما نحو سبعة قرون، يخرجان شعرا وأدبا ونقدا كان من خير تراث العرب. (2) ثقافة الجاحظ

لست أعلم أحدا في عصر الجاحظ بلغ مبلغه في سعة ثقافته وعمقها، فلقد شملت كل معارف زمانه تقريبا على اختلاف ألوانها وتعدد منابعها؛ حتى ليخيل إلي أننا لو جمعنا كل كتبه ورسائله، ووزعنا ما فيها، ورتبناها على الحروف الأبجدية، لخرج لنا من ذلك دائرة معارف تمثل أصدق التمثيل معارف العصر العباسي الأول.

دائرة معارف تشمل الرجال، والأدب، والبلاغة، وعلوم الدين، والتاريخ، والطبيعة، والكيميا، والفلسفة، واللاهوت، والاجتماع، والاقتصاد، والصناعة، والتجارة، والحيوان، والنبات، والفن، والفكاهة، ولعله لا ينقصها إلا الرياضة: «الحساب، والجبر، والهندسة»؛ فيظهر لي أنه قصر فيها تقصير المعلم الأول (أرسطو).

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٨١