ومن أجل هذا خلف لنا المربد أجل شعر أموي من هذا النوع، فكثير من نقائض جرير والفرزدق والأخطل كانت أثرا من أثار المربد قيلت فيه وصدرت عما كان بينهم من منافرة وخصومة، يروي الأغاني أن جريرا والفرزدق اجتمعا في المربد فتنافرا وتهاجيا وحضرهما العجاج والأخطل وكعب بن جعيل في خبر طويل
59 .
كان كل من جرير والفرزدق يلبس لباسا خاصا ويخرج إلى المربد ويقول قصائده في الفخر والهجاء، والرواة يحملون إلى كليهما ما قاله الآخر فيرد عليه، قال أبو عبيدة: وقف جرير بالمربد وقد لبس درعا وسلاحا تاما وركب فرسا أعاره إياه أبو جهضم عباد بن حصين، فبلغ ذلك الفرزدق فلبس ثياب وشي وسوار وقام في مقبرة بني حصن ينشد بجرير، والناس يسعون فيما بينهما بأشعارهما فلما بلغ الفرزدق لباس جرير السلاح والدرع قال:
عجبت لراعي الضأن في حطمية
وفي الدرع عبد قد أصيبت مقاتله
ولما بلغ جريرا أن الفرزدق في ثياب وشي قال:
ليست سلاحي والفرزدق لعبة
عليه وشاحا كرج وجلاجله
60
وما زالا كذلك يتهاجيان ويقولان القصائد الطويلة الكثيرة حتى ضج والي البصرة فهدم منازلهما بالمربد فقال جرير:
فما في كتاب الله تهديم دارنا
بتهديم ماخور خبيث مداخله
61
وكان لكل شاعر من شعراء المربد حلقة ينشد فيها شعره وحوله الناس يسمعون منه، جاء في الأغاني «وكان لراعي الإبل والفرزدق وجلسائهما حلقة بأعلى المربد بالبصرة.»
62 .
وكان الناس يخرجون كل يوم إلى المربد، يعرف كل فريق مكانه فيجلس فيه فينتظر شاعره، فقد روى الأغاني أيضا أن جريرا بات يشرب باطية من نبيذ ويهمهم بالشعر في هجاء الفرزدق والراعي، فما زال كذلك حتى كان السحر وقد قالها ثمانين بيتا في بني نمير فلما ختمها بقوله:
فغض الطرف إنك من نمير
فلا كعبا بلغت ولا كلابا
كبر، ثم أصبح حتى إذا عرف أن الناس قد جلسوا في مجالسهم بالمربد، وكان يعرف مجلسه ومجلس الفرزدق دعا فادهن ولف رأسه، ودعا غلامه فأسرج له حصانا وقصد مجلسهم وأنشدها، فنكس الفرزدق وراعي الإبل
63 .
ونرى بجانب هؤلاء الفحول أعني جريرا والفرزدق والأخطل طائفة أخرى من كبار الرجاز يقصدون المربد وينشدون رجزهم، فالعجاج الراجز يخرج إلى المربد عليه جبة خز وعمامة خز على ناقة له قد أجاد رحلها، ويقف بالمربد على الناس مجتمعين، ويقول رجزه المشهور:
قد جبر الدين الإله فجبر
ويهجو ربيعة فيأتي رجل من بكر بن وائل إلى أبي النجم ويستحثه على الرد عليه، فيخرج أبو النجم إلى المربد ويقول رحزه.
تذكر القلب وجهلا ما ذكر
ورؤية الرجاز ينشد رجزه:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
ويجتمع حوله فتيان من تميم فيرد عليه أبو النجم في رجزه.
إذا اصطبحت أربعا عرفتني
64
كذلك نرى ذا الرمة يقف بالمربد وعليه جماعة مجتمعة وهو قائم وعليه برد قيمته مئتا دينار، وينشد ودموعه تجري على لحيته:
ما بال عينك منها الماء ينسكب
65
وينشد كذلك بعض قصائده فيقف خياط فينقد شعره نقدا شديدا ويسخف بعض تشبيهاته، فيمتنع ذو الرمة عن الذهاب إلى المربد حتى يموت الخياط
66 .
والأمراء والولاة قد يتدخلون فيسكتون بعض الشعراء، وقد يهيجون بعضهم على بعض خدمة لأغراض حزبية أو سياسية، فعبد الملك بن مروان يأمر أبا النجم بالمفاخرة مع الفرزدق، وعباد بن حصين - وكان على أحداث البصرة - يعين جريرا على الفرزدق ويعير جريرا الدرع والفرس والسلاح
67 .
وهكذا كان المربد في العهد الأموي معهدا كبيرا أنتج أدبا غزيرا من جنس خاص، وكاد هذا الشعر يكون امتدادا للشعر الجاهلي، لاتحاد الأسباب والبواعث، فأما الشعر الغزلي كشعر عمر بن أبي ربيعة وأمثاله فليس له كبير أثر في المربد؛ لأنه فوق النزال والمهاجاة والمفاخرة، فليس مجاله حياة المربد التي وصفناها.
المربد في العصر العباسي
بقي المربد في العصر العباسي، ولكنه كان يؤدي غرضا آخر غير الذي كان يؤديه في العهد الأموي، ذلك أن العصبية القبلية ضعفت في العصر العباسي بمهاجمة الفرس للعرب، وأحس العرب ما هم فيه جميعا من خطر من حيث هم أمة لا فرق بين عدنانيهم وقحطانيهم، فقوي نفوذ الفرس وغلبوا العرب على أمرهم، وبدأ الناس في المدن كالبصرة يحيون حياة اجتماعية هي أقرب إلى حياة الفرس من حياة العرب، وانصرف الخلفاء والأمراء عن مثل النزاع الذي كان يتنازعه جرير والفرزدق والأخطل، وظهرت العلوم تزاحم الأدب والشعر، وفشا اللحن بين الموالي الذين دخلوا في الإسلام، وأفسدوا حتى على العرب الخالصة لغتهم، فتحول المربد يؤدي غرضا يتفق وهذه الحياة الجديدة.