56 .
وليس يهمنا هنا أثره التجاري، وإنما يهمنا شئونه السياسية والأدبية وهما مرتبطان بعضهما ببعض أشد الإرتباط، فلا داعي للتفريق بينهما، فقد كانت الأحزاب السياسية تنتج أدبا من خطب وشعر، وكانت الخطب والشعر تقوي الأحزاب السياسية وتساعد في تكوينها والحروب بينها.
المربد في عصر الخلفاء الراشدين
كانت أهم أخبار المربد في ذلك العصر ما كان بعد قتل عثمان بن عفان من سير عائشة أم المؤمنين إلى البصرة، فإنها نزلت بفناء البصرة ورأت أن تبقى خارجها حتى ترسل إلى أهلها تدعوهم بدعوتها، وهي المطالبة بدم عثمان، وبعبارة أخرى الخروج على علي، وكان معها طلحة والزبير ثم سارت إلى المربد معهما وخرج إليها من قبل دعوتها، وخرج إلى المربد كذلك عامل علي على البصرة، وهو عثمان بن حنيف ومن يؤيده، وأصبح المربد وهو يموج بمن أتى من الحجاز ومن خرج من البصرة حتى ضاق المربد بمن فيه، ورأينا المربد مجالا للخطباء ممن يؤيد عائشة ومن معها، ومن يؤيد عليا وعامله، أصحاب عائشة في ميمنة المربد وأصحاب علي في ميسرته، ويخطب في المربد طلحة ويمدح عثمان بن عفان، ويعظم الجناية عليه ويدعو إلى الطلب بدمه، ويخطب الزبير كذلك، وتخطب عائشة أم المؤمنين بصوتها الجهوري ويؤيدهم من في ميمنة المربد، ويقولون: صدقوا وبروا وقالوا الحق وأمروا بالحق، ويؤثر قول عائشة في أهل الميسرة فينحاز بعضهم إليها ويبقى الآخرون على رأيهم وعلى رأسهم عثمان بن حنيف، ويخطبون كذلك يبينون خطأ هذه الدعوة، وأن طلحة والزبير بايعا عليا فلا حق لهما في الخروج عليه ويؤيدهم أبو الأسود الدؤلي وأمثاله
57 .
وهكذا ينتقل المربد إلى مجمع حافل فيه الدعوات السياسية مؤيدة بالحجج والبراهين وفيه معرض البلاغة من خطب طويلة وجمل قصيرة متينة، وفيه الجدل والمناظرة وبحث أهم الأحداث في ذلك العصر، وهو مقتل عثمان بن عفان وتحديد المسئولية في قتله، ولم تفد هذه الحرب اللسانية فانتقلت إلى حرب بالسلاح وأصبح المربد ساحة للقتال.
المربد في عهد بني أمية
كان العصر الأموي أزهى عصور المربد؛ ذلك لأن العرب كانوا قد هدءوا من الفتح واستقرت الممالك في أيديهم، وأصبح العراق مقصد العرب يؤمه من أراد الغنى وخاصة البصرة جاء في الطبري «أن عمر بن الخطاب سأل أنس بن حجية وكان رسولا إلى عمر من العراق، فقال له عمر: كيف رأيت المسلمين؟ فقال: انثالت عليهم الدنيا فهم يهيلون الذهب والفضة، فرغب الناس في البصرة فأتوها.» وكان المربد باب البصرة يمر به من أرادها من البادية، ويمر به من خرج من البصرة إلى البادية، ويقطنه قوم من العرب كرهوا معيشة المدن، ويقصده سكان البصرة يستنشقون منه هواء البادية، فكان ملتقى العرب، وكانوا يحيون فيه حياة تشبه حياة الجاهلية من مفاخرة بالأنساب وتعاظم بالكرم والشجاعة، وذكر لما كان بين القبائل من إحن، فالفرزدق يقف في المربد ينهب أمواله فعل كرماء الجاهلية، حكى في النقائض أن زياد بن أبي سفيان كان ينهى أن ينهب أحد مال نفسه، وأن الفرزدق أنهب أمواله بالمربد، وذلك أن أباه بعث معه إبلا ليبيعها فباعها وأخذ ثمنها فعقد عليه مطرف خز كان عليه، فقال قائل: لشد ما عقدت على دراهمك هذه، أما والله لو كان غالب ما فعل هذا الفعل، فحلها ثم أنهبها، وقال: من أخذ شيئا فهو له وبلغ ذلك زيادا فبالغ في طلبه فهرب ... فلم يزل في هربه يطوف في القبائل والبلاد حتى مات زياد
58 .
وكان الأمويون على وجه العموم يعيشون عيشة عربية ويحتفظون بعربيتهم، إن أخذوا شيئا من الحضارة صبغوه بصبغتهم وحولوه إلى ذوقهم وكذلك فعل عرب البصرة؛ أرادوا أن يكون لهم من مربد البصرة ما كان لهم من سوق عكاظ في الحجاز فبلغوا غايتهم، وأحيوا العصبية الجاهلية، وساعد الخلفاء الأمويون أنفسهم على إحيائها لما كانوا يستفيدون منها سياسيا، فرأينا ظل ذلك في الأدب والشعر، ورأينا المربد في العصر الأموي يزخر بالشعراء يتهاجون ويتفاخرون، ويعلي كل شاعر من شأن قبيلته ومذهبه السياسي، ويضع من شأن غيره من الشعراء ومذاهبهم السياسية.