تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

49 .

ولكن يظهر أن هذه الأسواق ضعف شأنها بعد الفتوح، فأصبحت البلاد المفتوحة أسواقا للعرب خيرا من سوق عكاظ، وصار العرب يغشون المدن الكبيرة لقضاء أغراضهم فضعفت أسواق العرب ومنها عكاظ، ومع ذلك ظلت قائمة وكان آخر العهد بها قبيل سقوط الدولة الأموية قال الكلبي: «وكانت هذه الأسواق بعكاظ ومجنة وذي المجاز قائمة في الإسلام حتى كان حديثا من الدهر، فأما عكاظ فإنما تركت عام خرجت الحرورية بمكة مع أبي حمزة المختار بن عوف الأزدي الأباضي في سنة تسع وعشرين ومائة، خاف الناس أن ينهبوا وخافوا الفتنة فتركت حتى الآن، ثم تركت مجنة وذو المجاز بعد ذلك، واستغنوا بالأسواق بمكة وبمنى وبعرفة ... وآخر سوق خربت سوق حباشة خربت سنة 197ه، أشار فقهاء أهل مكة على داود بن عيسى بتخريبها فخربها وتركت إلى اليوم

50 .

فعكاظ عاصرت العصر الجاهلي الذي كان فيه ما وصل إلينا من شعر وأدب، وجرت فيها أحداث تتصل بحياة النبي

صلى الله عليه وسلم

قبيل مبعثه، ومهدت السبيل قبيل الإسلام لتوحيد اللغة والأدب، وعملت على إزالة الفوارق بين عقليات القبائل، وقصدها النبي

صلى الله عليه وسلم

يبث فيها دعوته، وعاصرت الإسلام في عهد الخلفاء الراشدين والعهد الأموي، ولكن كانت حياتها في الإسلام أضعف من حياتها قبله، وبدأ ضعفها من وقت الهجرة لما كان من غزوات وحروب بين مكة والمدينة أو بين المؤمنين والمشركين، فلما فتحت الفتوح رأى العرب في أسواق المدن المتحضرة في فارس والشام والعراق ومصر عوضا عنها، ثم كانت ثورة أبي حمزة الخارجي بمكة، فلم يأمن الناس على أموالهم فخربت السوق، وختمت صحيفة لحياة حافلة ذات أثر سياسي واجتماعي وأدبي كبير. (1-2) المربد

أما المربد فضاحية من ضواحي البصرة، في الجهة الغربية منها مما يلي البادية، بينه وبين البصرة نحو ثلاثة أميال، كان سوقا للإبل قال الأصمعي: «المربد كل شيء حبست به الإبل والغنم ... وبه سميت مربد البصرة، وإنما كان موضع سوق الإبل.

51 » وهو واقع على طريق من ورد البصرة من البادية ومن خرج من البصرة إليها، ويظهر أنه نشأ سوقا للأبل، أنشأه العرب على طرف البادية، يقضون فيه شئونهم قبل أن يدخلوا الحضر أو يخرجوا منه.

وقد كان العرب في بادية العراق قبل الفتح الإسلامي، ونزلت فيه قبائل من بكر وربيعة، وكونوا فيه إمارة المناذرة في الحيرة، فكان هذا الأقليم معروفا لهم قبل الإسلام، وكانت الرحلات من البادية إلى العراق ومن العراق إلى البادية في حركة مستمرة - ومعلوم أن البصرة إنما خططت في الإسلام في عهد عمر بن الخطاب ونزل بها العرب على منازلهم من يمنية ومضرية - ولكن يظهر أن المربد كان قبل أن تخطط البصرة، وكان قبل الإسلام، وربما فهم ذلك من قول الطبري «بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان فقال له: انطلق أنت ومن معك حتى إذا كنتم في أقصى أرض العرب وأدنى أرض العجم فأقيموا، فأقبلوا حتى إذا كان بالمربد وجدوا هذا الكذان

52

قالوا: ما هذه البصرة.»

53 .

وقال في اللسان - في مادة ب ص ر - وقال ابن شميل: «البصرة أرض كأنها جبل من جص وهي التي بنيت بالمربد، وإنما سميت البصرة بصرة بها.».

ولكن أخباره في الجاهلية منقطعة أو معدومة مما يدل على قلة أهميته؛ إذ ذاك، إنما كانت له الأهمية بعد أن فتح العرب العراق وسكنوه وخططوا البصرة، فقد أنشئت فيه المساكن بعد أن كان مربدا للإبل فقط، واتصلت العمارة بينه وبين البصرة

54

حتى قالوا فيه «العراق عين الدنيا، والبصرة عين العراق، والمربد عين البصرة، ودارين عين المربد.»

55 .

وقد كان المربد في الإسلام صورة معدلة لعكاظ، كان سوقا للتجارة، وكان سوقا للدعوات السياسية، وكان سوقا للأدب - جاء في كتاب «ما يعول عليه» المربد كل موضع حبست فيه الإبل ... ومنه سمي مربد البصرة لاجتماع الناس وحبسهم النعم فيه، كان مجتمع العرب من الأقطار، يتناشدون فيه الأشعار، ويبيعون ويشترون وهو «كسوق عكاظ» وقال العيني: «مربد البصرة ... محلة عظيمة فيها (في البصرة) عن جهة البرية كان يجتمع فيها العرب من الأقطار، ويتناشدون الأشعار، ويبيعون ويشترون»

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٧٨