تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أوكلما وردت عكاظ قبيلة

بعثوا إلي عريفهم يتوسم

فتوسموني، إنني أنا ذلكم

شاكي السلاح وفي الحوادث معلم

41

وكان على سوق عكاظ كلها رئيس: إليه أمر الموسم وإليه القضاء بين المتخاصمين، قال أبو المنذر: «وتزعم مضر أن أمر الموسم وقضاء عكاظ كان في بني تميم.» وكان من اجتمع له ذلك منهم بعد عامر بن الظرب العداوني سعد بن زيد مناة من تميم، وقد فخر المخبل بذلك في شعره:

ليالي سعد في عكاظ يسوقها

له كل شرق من عكاظ ومغرب

حتى جاء الإسلام فكان يقضي بعكاظ محمد بن سفيان بن مجاشع

42 .

تاريخ عكاظ

من العسير جدا أن نحدد بدء عكاظ، فلم نجد في ذلك خبرا يصح التعويل عليه، يقول الألوسي في بلوغ الأرب «إنها اتخذت سوقا بعد الفيل بخمس عشرة سنة.» ولكن إذا بحثنا في الأحداث التي رويت في عكاظ وجدنا ذلك غير صحيح، فهم يروون - كما قدمنا - أن عمرو بن كلثوم أنشد قصيدته في عكاظ، وعمرو بن كلثوم كان على وجه التقريب حول سنة 500م.

كذلك إذا عدنا إلى ما رواه المرزوقي في الأزمنة والأمكنة عن رؤساء عكاظ وجدنا أنه عدهم قبل الإسلام عشرة أولهم عامر بن الظرب العدواني، وهذا - من غير شك - يجعل تاريخ عكاظ أبعد مما يحكي الألوسي بزمان طويل، كذلك يروي الأغاني أن عبلة زوجة عبد شمس بن عبد مناف باعت أنحاء سمن بعكاظ

43 .

وظل سوق عكاظ يقوم كل سنة، وكانت فيه قبيل الإسلام حروب الفجار، وهي حروب أربع، وكان سبب الأولى على ما يروى؛ المفاخرة في سوق عكاظ، وسبب الثانية تعرض فتية من قريش لامرأة من بني عامر بن صعصعة بسوق عكاظ، وسبب الثالثة مقاضاة دائن لمدينه مع إذلاله في سوق عكاظ، وسبب الأخيرة أن عروة الرحال ضمن أن تصل تجارة النعمان بن المنذر إلى سوق عكاظ آمنة، فقتله البراض في الطريق

44 .

فكلها تدور حول سوق عكاظ؛ وهذه الحروب كانت قبل مبعث النبي

صلى الله عليه وسلم

بست وعشرين سنة، وشهدها النبي وهو ابن أربع عشرة سنة مع أعمامه، وقال: كنت يوم الفجار أنبل على عمومتي

45 .

واستمرت هذه الحروب نحو أربع سنوات، وقد كانت هناك نزعتان عند أشراف العرب، نزعة قوم يقصدون إلى السلب والنهب وسفك الدماء لا يصدهم صاد، ولا يرعون حتى ولا الأشهر الحرم، ويتحرشون بالناس، فيمد أحدهم رجله في سوق عكاظ ويتحدى الأشراف مثله أن يضربوها فتثور من ذلك الثائرة

46 ، وفريق يميل إلى السلم ودرء أسباب الحروب ونجاح التجارة والأسواق، بتأمين السالكين وعدم التعرض لهم بأذى، جاء في تاريخ اليعقوبي «أنه كان في العرب قوم يستحلون المظالم إذا حضروا هذه الأسواق فسموا «المحلين»، وكان فيهم من ينكر ذلك وينصب نفسه لنصرة المظلوم والمنع من سفك الدماء وارتكاب المنكر فيسمون الذادة «المحرمين»؛ فأما المحلون فكانوا قبائل من أسد وطيئ وبني بكر بن عبد مناة وقوم من بني عامر بن صعصعة؛ وأما الذادة المحرمون فكانوا من بني عمرو بن تميم وبني حنظلة بن زيد مناة وقوم من هذيل وقوم من بني شيبان ... فكان هؤلاء يلبسون السلاح لدفعهم عن الناس.»

47 .

وكان من أشهر الداعين للسلم عبد الله بن جدعان، فقد كان إذا اجتمعت العرب في سوق عكاظ دفعت أسلحتها إلى ابن جدعان، ثم يردها عليهم إذا ظعنوا وكان سيدا حكيما مثريا

48 .

ويظهر أن أصحاب هذه النزعة الثانية وهم الذادة هم الذين سموا هذه الحروب حرب الفجار؛ لما ارتكب فيها من الفجور وسفك الدماء، وهم الذين تغلبوا فيما بعد ونجحوا في وقف هذه الحروب «ودعوا الناس أن يعدوا القتلى فيدوا من فضل، وأن يتعاقدوا على الصلح فلا يعرض بعضهم لبعض» وربما كان من أثر ذلك حلف الفضول، وقد عقد في بيت عبد الله بن جدعان هذا.

واستمرت عكاظ في الإسلام، وكان يعين فيها من يقضي بين الناس، فعين محمد بن سفيان بن مجاشع قاضيا لعكاظ، وكان أبوه يقضي بينهم في الجاهلية وصار ذلك ميراثا لهم

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٧٧