تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نحن بنو مدركة بن خندف

من يطعنوا في عينه لا يطرف

ومن يكونوا قومه يغطرف

كأنهم لجة بحر مسدف

فيقوم رجل من هوزان فيقول:

أنا ابن همدان ذو التغطرف

بحر بحور زاخر لم ينزف

نحن ضربنا ركبة المخندف

إذ مدها في أشهر المعرف

28

وعمرو بن كلثوم يقوم خطيبا بسوق عكاظ وينشد قصيدته المشهورة:

ألا هبي بصحنك فاصبحينا

29 .

والأعشى يوافي سوق عكاظ كل سنة، ويأتي مرة فإذا هو بسرحة قد اجتمع الناس عليها فينشدهم الأعشى في مدح المحلق

30 ، والنابغة الذبياني تضرب له قبة أدم بسوق عكاظ يجتمع إليه فيها الشعراء فيدخل إليه حسان بن ثابت وعنده الأعشى والخنساء فينشدونه جميعا ويفاضل بينهم وينقد قول حسان:

لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى

فيقول لحسان قللت العدد ولو قلت: الجفان؛ لكان أكثر، وقلت: يلمعن بالضحى؛ ولو قلت: يبرقن بالدجى لكان أبلغ في المديح؛ لأن الضيف بالليل أكثر طروقا

31 .

ودريد بن الصمة يمدح عبد الله بن جدعان بعد أن لاحاه فيقول:

إليك ابن جدعان أعملتها

محففة للسرى والنصب

32

إلخ

وقس بن ساعدة يخطب الناس فيذكرهم بالله والموت - خطبته المشهورة - ورسول الله يسمع له

33 ، والخنساء تسوم هودجها براية، وتشهد الموسم بعكاظ وتعاظم العرب بمصيبتها في أبيها عمرو بن الشريد وأخويها صخر ومعاوية، وتنشد في ذلك القصائد، فلما وقعت وقعة بدر وقتل فيها عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة أقبلت هند بنت عتبة إلى عكاظ، وفعلت كما فعلت الخنساء، وقالت: اقرنوا جملي بجمل الخنساء ففعلوا، فعاظمت هند الخنساء في مصيبتها وتناشدتا الأشعار، تقول إحداهما قصيدة في عظم مصيبتها وترد الأخرى عليها

34 ، وعلى الجملة فكانوا في عكاظ يتبايعون ويتعاكظون ويتفاخرون ويتحاجون وتنشد الشعراء ما تجدد لهم وفي ذلك يقول حسان:

سأنشر - ما حييت - لهم كلاما

ينشر في المجامع من عكاظ

فمن هذا كله نرى كيف كانت عكاظ مركزا لحركة أدبية ولغوية واسعة النطاق، كما كانت مركزا لحركة اجتماعية واقتصادية.

نظام سوق عكاظ

كانت القبائل - كما أسلفنا - تنزل كل قبيلة منها في مكان خاص بها، ثم تتلاقى أفراد القبائل عند البيع والشراء أو في الحلقات المختلفة، كالذي حكينا أن الأعشى رأى الناس يجتمعون على سرحة، أو حول الخطيب يخطب على منبر، أو في قباب من أدم تقام هنا وهناك، ويختلط الرجال بالنساء في المجامع، وقد يكون ذلك سببا في خطبة أو زواج أو تنادر

35 ، وكانت تحضر الأسواق - وخاصة سوق عكاظ - أشراف القبائل «وكان أشراف القبائل يتوافون بتلك الأسواق مع التجار، من أجل أن الملوك كانت ترضخ للأشراف، لكل شريف بسهم من الأرباح، فكان شريف كل بلد يحضر سوق بلده، إلا عكاظ فإنهم كانوا يتوافون بها من كل أوب.»

36 .

والظاهر أن المراد بالملوك هم الأمراء ورؤساء القبائل الذين يرسلون بضائعهم لبيعها في أسواق العرب، كملك الحيرة والغساسنة وأمراء اليمن ونحوهم - وكانت القبائل تؤتي لرؤسائها إتاوة في نظير إقامتهم بالسوق، فقد ذكر اليعقوبي في تاريخه أخبار أسواق كثيرة كان يعشرها أشرافها - أي: يأخذون العشر

37 ، وفي عكاظ كانت القبائل تدفع لأشرافها هذه الأتاوة «فهوازن كانت تؤتي زهير بن جذيمة الإتاوة كل سنة بعكاظ، وهو يسومها الخسف وفي أنفسها منه غيظ وحقد.

38 » وكانت الإتاوة سمنا وأقطا وغنما

39 ، «وكان عبد الله بن جعدة سيدا مطاعا وكانت له إتاوة بعكاظ يؤتى بها، ويأتي بها هذا الحي من الأزد وغيرهم، ومن هذه الإتاوة ثياب.»

40 .

وكانت الأشراف تمشي في هذه الأسواق ملثمة، ولا يوافيها (عكاظ) شريف إلا وعلى وجهه برقع، مخافة أن يؤسر يوما فيكبر فداؤه، فكان أول من كشف طريف العنبري، لما رآهم يطلعون في وجهه ويتفرسون في شمائله، قال: قبح من وطن نفسه إلا على شرفه، وحسر عن وجهه وقال:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٧٦