تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذعرت به القطا ونفيت عنه

مقام الذئب كالرجل اللعين

ومن كان له دين على آخر أنظره إلى عكاظ

17 .

ومن كان له حاجة استصرخ القبائل بعكاظ كالذي حكى الأصفهاني أن رجلا من هوازن أسر فاستغاث أخوه بقوم فلم يغيثوه، فركب إلى موسم عكاظ وأتى منازل مذحج يستصرخهم

18 .

وكثيرا ما يتخذ السوق وسيلة للخطبة والزواج، فيروي الأغاني أنه اجتمع يزيد بن عبد المدان وعامر بن الطفيل بموسم عكاظ، وقدم أمية بن الأسكر الكناني وتبعته ابنة له من أجمل أهل زمانها، فخطبها يزيد وعامر، فتردد أبوها بينهما، ففخر كل منهما بقومه، وعدد فعالهم في قصائد ذكرها

19 ، فزوجها أبوها ليزيد.

ومن كان صعلوكا فاجرا خلعته قبيلته - إن شاءت - بسوق عكاظ وتبرأت منه ومن فعاله، كالذي فعلت خزاعة، خلعت قيس بن منقذ بسوق عكاظ، وأشهدت على نفسها بخلعها إياه، وأنها لا تحتمل له جريرة، ولا تطالب بجريرة يجرها أحد عليه

20 .

وقد يتفاخر الرجلان من قبيلتين فيفخر كل بقبيلته ومكارمها، فيتحاكمان إلى حكم عكاظ، كما فعل رجل من قضاعة نافر رجلا من اليمن فتحاكما إلى حكم عكاظ

21 .

ومن كان داعيا إلى إصلاح اجتماعي أو ديني كان يرى أن خير فرصة له سوق عكاظ، والقبائل من أنحاء الجزيرة مجتمعة، فمن قبل الدعوة كان من السهل أن يكون داعيا في قومه إذا عاد إليهم، فنرى قس بن ساعدة يقف بسوق عكاظ يدعو دعوته، ويخطب فيها خطبته المشهورة على جمل له أورق فيرغب ويرهب، ويحذر وينذر.

ولما بعث رسول الله

صلى الله عليه وسلم

اتجه إلى دعوة الناس بعكاظ؛ لأنها مجمع القبائل، روى الواقدي أن رسول الله أقام ثلاث سنين من نبوته مستخفيا، ثم أعلن في الرابعة، فدعا عشر سنين، يوافي الموسم، يتبع الحاج في منازلهم بعكاظ والمجنة وذي المجاز، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالة ربه ولهم الجنة، فلا يجد أحدا ينصره، حتى إنه يسأل عن القبائل ومنازلهم قبيلة قبيلة، حتى انتهى إلى بني عامر بن صعصعة فلم يلق من أحد من الأذى ما لقي منهم

22

وفي خبر آخر أنه أتى كندة في منازلهم بعكاظ فلم يأت حيا من العرب كان ألين منهم

23 ، وعن علي بن أبي طالب أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

كان يخرج من الموسم فيدعو القبائل فما أحد من الناس يستجيب له ويقبل منه دعاءه، فقد كان يأتي القبائل بمجنة وعكاظ ومنى حتى يستقبل القبائل، يعود إليهم سنة بعد سنة، حتى إن القبائل منهم من قال: «ما آن لك أن تيأس منا.»، من طول ما يعرض نفسه عليهم، حتى استجاب هذا الحي من الأنصار

24 .

وروى اليعقوبي أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

قام بسوق عكاظ عليه جبة حمراء فقال: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وتنجحوا، ويتبعه رجل يكذبه وهو أبو لهب بن عبد المطلب

25 .

كذلك كان لعكاظ أثر كبير لغوي وأدبي فقد رأينا قبائل العرب على اختلافها من قحطانيين وعدنانيين تنزل بها، وملك الحيرة يبعث تجارته إليها ويأتي التجار من مصر والشام والعراق

26

فكان ذلك وسيلة من وسائل تفاهم القبائل وتقارب اللهجات، واختيار القبائل بعضها من بعض ما ترى أنه أليق بها وأنسب لها، كما أن التجار من البلدان المتمدنة كالشام ومصر والعراق كانوا يطلعون العرب على شيء مما رأوا من أحوال تلك الأمم الاجتماعية، وفوق هذا كانت عكاظا معرضا للبلاغة ومدرسة بدوية يلقى فيها الشعر والخطب وينقد ذلك كله ويهذب، قال أبو المنذر: كانت بعكاظ منابر في الجاهلية يقوم عليها الخطيب بخطبته وفعاله وعد مآثره وأيام قومه، من عام إلى عام، فيما أخذت العرب أيامها وفخرها، وكانت المنابر قديمة، يقول فيها حسان:

أولاء بنو ماء السماء توارثوا

دمشق بملك كابرا بعد كابر

يؤمون ملك الشام حتى تمكنوا

ملوكا بأرض الشام فوق النابر

27

فيقف أشراف العرب يفخرون بمناقبهم ومناقب قومهم ... فبدر بن معشر الغفاري ... كان رجلا منيعا مستطيلا بمنعته على من ورد عكاظ، فاتخذ مجلسا بسوق عكاظ وقعد فيه وجعل يبرح على الناس ويقول:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٧٥