1 «والعرب كانت (في الشهر الحرام) لا تقرع الأسنة، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يهيجه تعظيما له، وتسمي مضر الشهر الحرام الأصم لسكون أصوات السلاح وقعقعته فيه
2 » وفي انعقاد السوق في الشهر الحرام مزية واضحة، وهي أن يأمن التجار فيه على أرواحهم، وإن كانوا أحيانا قد انتهكوا حرمة الشهر الحرام فاقتتلوا، كالذي روي في الأخبار عن حروب الفجار كما سيجيء، ولكن - على العموم - كان القتل في هذا الشهر مستهجنا، قال ابن هشام: «أتى آت قريشا فقال: إن البراض قد قتل عروة وهم في الشهر الحرام بعكاظ ... إلخ.»
3
وقد قال ذلك استعظاما لقتله. «فكان يأتي عكاظ قريش وهوازن وغطفان والأحابيش وطوائف من أفناء العرب.»
4
وكانت كل قبيلة تنزل في مكان خاص من السوق، ففي الخبر أن رسول الله ذهب مع عمه العباس إلى عكاظ ليريه العباس منازل الأحياء فيها
5 ، ويروى كذلك أن رسول الله جاء كندة في منازلهم بعكاظ
6 .
بل كان يشترك في سوق عكاظ اليمنيون والحيريون، يقول المرزوقي «كان في عكاظ أشياء ليست في أسواق العرب؛ كان الملك من ملوك اليمن يبعث بالسيف الجيد والحلة الحسنة والمركوب الفاره فيقف بها وينادي عليه ليأخذه أعز العرب، يراد بذلك معرفة الشريف والسيد فيأمره بالوفادة عليه ويحسن صلته وجائزته.
7 » ويروي ابن الأثير عن أبي عبيدة «أن النعمان بن المنذر لما ملكه كسرى أبرويز على الحيرة كان النعمان يجهز كل عام لطيمة - وهي التجارة - لتباع بعكاظ.».
فترى من هذا أن بلاد العرب من أقصاها إلى أقصاها كانت تشترك في سوق عكاظ.
واختلفت الأقوال في موعد انعقادها، وأكثرها على أنه في ذي القعدة من أوله عشرين منه، أو من نصفه إلى آخره، قال الأزرقي في تاريخ مكة: «فإذا كان الحج ... خرج الناس على مواسمهم فيصبحون بعكاظ يوم هلال ذي القعدة، فيقيمون به عشرين ليلة، تقوم فيها أسواقهم بعكاظ والناس على مداعيهم وراياتهم، منحازين في المنازل، تضبط كل قبيلة أشرافها وقادتها، ويدخل بعضهم في بعض للبيع والشراء، ويجتمعون في بطن السوق فإذا مضت العشرون انصرفوا إلى مجنة فأقاموا بها عشرا، أسواقهم قائمة، فإذا رأوا هلال ذي الحجة انصرفوا إلى ذي المجاز، ثم إلى عرفة وكانت قريش وغيرها من العرب تقول: «لا تحضروا سوق عكاظ والمجنة وذي المجاز إلا محرمين بالحج.»، وكانوا يعظمون أن يأتوا شيئا من المحارم أو يعدوا بعضهم على بعض في الأشهر الحرم وفي الحرم.»
8 . •••
وظيفته:
كان سوق عكاظ يقوم بوظائف شتى فهو - أول كل شيء - متجر تعرض فيه السلع على اختلاف أنواعها، يعرض فيه الأدم والحرير والوكاء والحذاء والبرود من العصب والوشي والمسير والعدني
9
ويباع به الرقيق
10 ، ويعرض فيه كل سلعة عزيزة وغير عزيزة، فما يهديه الملوك يباع بسوق عكاظ
11 ، ويتقاتل ابن الخمس مع الحارث بن ظالم فيقتله ابن الخمس ويأخذ سيف الحارث يعرضه للبيع في عكاظ
12 ، وعبلة بنت عبيد بن خالد يبعثها زوجها بأنحاء سمن تبيعها له بعكاظ
13 .
ونسبوا إلى عكاظ فقالوا: أديم عكاظي؛ أي: مما يباع في عكاظ
14 .
ولم تكن العروض التي تعرض في سوق عكاظ قاصرة على منتجات جزيرة العرب، فالنعمان يبعث إلى سوق عكاظ بمتجر من حاصلات الحيرة وفارس لتباع به ويشترى بثمنها حاصلات أخرى
15 ، بل كان يباع في عكاظ سلع من مصر والشام والعراق، فيروي المرزوقي أنه قبل المبعث بخمس سنين حضر السوق من نزار واليمن ما لم يروا أنه حضر مثله في سائر السنين، فباع الناس ما كان معهم من إبل وبقر ونقد وابتاعوا أمتعة مصر والشام والعراق
16 .
وكان السوق يقوم بأعمال مختلفة اجتماعية إلى جانب أعماله التجارية، فمن كانت له خصومة عظيمة انتظر موسم عكاظ؛ كانوا إذا غدر الرجل أو جنى جناية عظيمة انطلق أحدهم حتى يرفع له راية غدر بعكاظ، فيقوم رجل فيخطب بذلك الغدر فيقول: ألا إن فلان بن فلان غدر، فاعرفوا وجهه ولا تصاهروه ولا تجالسوه ولا تسمعوا منه قولا، فإن أعتب وإلا جعل له مثل مثاله في رمح فنصب بعكاظ فلعن ورجم، وهو قول الشماخ: