وتوفي رسول الله وظل نساؤه أمهات المؤمنين يرجعون إليهم في المشاكل، ويستفتونهن فيما دق من مسائل، يأخذ عنهن مؤرخو السيرة تاريخهم، والمحدثون حديثهم، والفقهاء فقههم، هذه عائشة يروي عنها عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو هريرة وأبو موسى وابن عباس، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وعلقمة بن قيس، وآخرون كثيرون، وقد عمرت حتى بلغت السادسة والستين، وتوفيت في عهد معاوية بعد أن كانت مرجع الناس في الفتيا، وخاصة في أدق المسائل الزوجية بما استفادت من رسول الله، وكذلك كانت حفصة بنت عمر رويت عنها الأحاديث الكثيرة، وإن لم تبلغ مبلغ عائشة، وكان يروي عنها أهل بيتها كأخيها عبد الله وابنه حمزة وزوجته صفية، وعمرت إلى أن بلغت الستين، وماتت كذلك في خلافة معاوية، وعمرت أم سلمة إلى أن بلغت الرابعة والثمانين، وكانت آخر أمهات المؤمنين موتا، وهكذا، فكان حول كل منهن تلاميذ من أهلها وأقاربها وغيرهم يروون عنهن، ويأخذون عنهن آراءهن فيما حدث من الفتن العظام بعد مقتل عثمان، ولم ينسين أبدا درس الزهد وبساطة العيش وبذل المال كما علمهن رسول الله، فقد فرض لهن الفرض العظيم بعد الفتوح فكن يتصدقن به ولا يدخرن منه، هذه عائشة أتاها مئة ألف درهم ففرقتها في يومها، وكانت صائمة ولم تتذكر أن تشتري لحما بدراهم تفطر عليه، وهذه زينب بنت جحش كانت مع ما يأتيها من عطائها صناع اليدين تصنع بيدها وتخيط، وتتصدق بكل ذلك في سبيل الله، ووصفتها عائشة ضرتها فقالت: «لم تكن امرأة خيرا منها في الدين، وأتقى لله، وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تتصدق به ويقربها إلى الله.».
صلوات الله عليه وعليهن أجمعين.
الفصل الحادي والأربعون
| ثلاث رسائل للمؤلف
(1)
عكاظ والمربد. (2)
ثقافة الجاحظ. (3)
الفتوة في الإسلام. (1) عكاظ والمربد
من أبعد الأماكن أثرا في الحياة العربية عكاظ والمربد، وقد كان أثرهما كبيرا من نواح متعددة؛ من الناحية الاقتصادية ومن الناحية الاجتماعية ومن الناحية الأدبية، ودراستهما تضيء لنا أشياء كثيرة في تاريخ العرب.
ولكن يظهر لي أنه لم يعن بهما العناية اللائقة، فلا نرى فيما بين أيدينا إلا كلمات قليلة منثورة في الكتب يصعب على الباحث أن يصور منها صورة تامة أو شبهها، ومع هذا فسنبدأ في هذه الكلمة بشيء من المحاولة في توضيح أثرهما وخاصة من الناحية الأدبية. (1-1) عكاظ
في الجنوب الشرقي من مكة، وعلى بعد نحو عشرة أميال من الطائف، ونحو ثلاثين ميلا من مكة؛ مكان منبسط في واد فسيح به نخل وبه ماء وبه صخور، يسمى هذا المكان«عكاظ»، وكانت تقام به سوق سنوية تسمى «سوق عكاظ»، وقد اختلف اللغويون في اشتقاق الكلمة، فقال بعضهم: اشتقت من «تعكظ القوم» إذا تحبسوا لينظروا في أمورهم، وقال غيرهم: سميت عكاظا؛ لأن العرب كانت تجتمع فيها فيعكظ بعضهم بعضا بالمفاخرة؛ أي: يعركه ويقهره، كما اختلفت القبائل في صرفها وعدم صرفها؛ فالحجازيون يصرفونها وتميم لا تصرفها، وعلى اللغتين ورد الشعر:
قال دريد بن الصمة: «تغيبت عن يومي عكاظ كليهما».
وقال أبو ذؤيب:
إذا بني القباب على عكاظ
وقام البيع واجتمع الألوف •••
وكان للعرب أسواق كثيرة محلية كسوق صنعاء، وسوق حضرموت، وسوق صحار، وسوق الشحر، لا يجتمع فيها - غالبا - إلا أهلها وأقرب الناس إليها.
وبجانب هذه الأسواق الخاصة أسواق عامة لقبائل العرب جميعا، أهمها: سوق عكاظ، وسبب عمومها وأهميتها على ما يظهر: (1)
أن موعد انعقادها كان قبيل الحج، وهي قريبة من مكة وبها الكعبة، فمن أراد الحج من جميع قبائل العرب سهل عليه أن يجمع بين الغرض التجاري والاجتماعي بغشيانه عكاظ قبل الحج، وبين الغرض الديني بالحج. (2)
أن موسم السوق كان في شهر من الأشهر الحرم؛ على قول أكثر المؤرخين