تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة

فيروون الأحاديث في مختلف الموضوعات من علمهن، ويحكين لهم ما شاهدن وما سمعن، وما تصرف فيه الرسول من مشاكل وأحداث أمام أعينهن، وأدبه فيما بينهن، حتى قيل: إن ربع الأحكام الشرعية مأخوذ عن عائشة، وروي لها في كتب الصحاح ألفان ومئتا حديث، قال لها عروة يوما: يا أماه! لا أعجب من فقهك أقول زوج رسول الله، ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس أقول ابنة أبي بكر، وكان من أعلم الناس بذلك، ولكن أعجب من علمك بالطب كيف هو وأين هو؟ قالت: أي عرية! إن رسول الله كثرت أسقامه عند آخر عمره، فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه فتنعت له الأنعات فكنت أعالجها، فمن ثم.

عدل بينهن في المعاملة على أدق وجه، واعتذر من عدم العدل بينهن في الحب فإنه لا يملكه وقال: «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك»، وكان إذا صلى العصر زار نساءه جميعا وتحدث لكل منهن ثم بات في بيت من لها الليلة، وأحيانا يجتمعن في بيتها، وإذا خرج إلى سفر أقرع بينهن فأيتهن خرج سهمها خرج بها.

إلى أسلوب في المعاملة ظريف ونمط في المعاشرة لطيف، يلعب الأحابيش فتحب عائشة أن ترى لعبهم فتستند على منكب النبي فلا يسأم حتى تسأم، ويسابقها فتسبقه حتى إذا سمنت سابقها فسبقها فقال: هذه بتلك، ويقول: «إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله» وكان اليوم يوم عيد فدخل أبو بكر على عائشة فوجد عندها جاريتين تضربان بالدف، فانتهرهما أبو بكر فقال رسول الله: دعهن يا أبا بكر فإنها أيام عيد.

ويحب الأطفال ويقبلهم ويلاعبهم ويجلسهم في حجره، ويأتي أعرابي بدوي فيقول: يا رسول الله أتقبل الصبيان؟ والله ما نقبلهم، فيقول رسول الله: ما أملك أن الله نزع من قلبك الرحمة. •••

أزمة كانت تستيقظ من حين لآخر فوضع لها حدا حاسما، كان رسولا وكان مثلا للناس، وفهم رسالته حق الفهم، أتى ليبلغ عن الله رسالته ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الخير ويحذر من الشر، وليست رسالته أن يجمع ثورة أو يؤسس لنفسه ملكا، ولا يتأتى أن يؤدي رسالته على أكمل وجه حتى يزهد في المال وعرض الحياة، ولو التفت إلى المال لم يطع هذه الطاعة، ولا أجيب هذه الإجابة، ولالتفت الأتباع إلى المال، ولم يأبهوا للدعوة، ولفات على الناس درس التضحية، ولذلت نفوس الفقراء واضطغنوها في أنفسهم، وما أكثرهم، ولعز الأغنياء في الدين بغناهم لا بتقواهم، إذن فليتخل عن كل مظاهر الدنيا والترف في العيش، وليعش عيشة أبسط رجل، وكذلك كان، فلم يمتلئ جوفه شبعا، ويبيت بعض الليالي طاويا، ويمر الشهر ما يستوقد أهله نارا، يعيشون على التمر والماء، ولا يرون الرغيف المرقق ولا الشاة السميط، ويموت ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعا من شعير، ويأتيه مال مرة من الغزو فيقسمه ألف بعير على أربعة أنفس، ويسوق مئة بدنة فينحرها ويطعمها المساكين ولم يدخر لأهله شيئا، فكان فقره إيثارا لا عوزا.

لو كان الشأن شأن نفسه فقط لهان الأمر، عظيم يضحي لربه ولدعوته فيجد من سعادة التضحية أضعاف ما يجد الشحيح بماله وترفه، ولكن ما شأن زوجاته ولم يبلغن في السمو سموه، ولا يفهمن المثل فهمه، ولا يشعرن بالتبعة شعوره؛ ها هن أولاء يطلبن شيئا من السعة في العيش، وشيئا من النعيم الذي ينعم به حتى صغار المسلمين، وهو يردهن ردا جميلا، فلما كثر الطلب واشتد اللحاح كان الموقف الحاسم

يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن

1

وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما ، فبدأ يخير النساء بين الطلاق والعيشة التي تتفق ودعوته، وبدأ بعائشة فاختارت ربها ورسوله وكذلك فعل سائر نسائه، وحسم الأمر ووطن أنفسهن على الصبر، وكان لهن في رسول الله أسوة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٧٢