ثم لما أعلن الدعوة لقومه ولقي منهم شر أنواع العنت كانت هي التي تخفف بحديثها وأسلوبها كربه وتؤنس وحشته، قال ابن إسحاق: «كان (
صلى الله عليه وسلم ) لا يسمع شيئا يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بخديجة ، إذا رجع تثبته وتخفف عنه وتصدقه وتهون عليه أمر الناس.»، وكان من فضل الله أن كانت بجانبه العشر السنين الأولى من الدعوة وهي أشق السنوات عناء وجهادا وكفاحا.
لذلك لم يكن محمد (
صلى الله عليه وسلم ) من الحب والوفاء والتقدير والإعظام لأحد ما أكنه لزوجته خديجة، فلما قالت له عائشة قد رزقك الله خيرا منها، قال: لا والله ما رزقني الله خيرا منها، آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وأعطتني مالها حين حرمني الناس.
ولما توفيت في الخامسة والستين من عمرها في العام الذي توفي فيه عمه أبو طالب سمي العام «عام الحزن»، وكان شديد الحنين إليها والذكرى لها فكان من حين إلى حين يبعث بعض الهدايا إلى صديقاتها، إحياء لذكرها، ودخلت عليه مرة - وهو بالمدينة - أختها هالة، وكان رسول الله نائما فلما سمع صوتها انتبه من نومه لفوره وقال: هالة هالة هالة! ترحيبا بها، وهياما بذكر أختها، وإعظاما لأحب الناس إليه. •••
أما في المدينة فقد كان لبيت محمد (
صلى الله عليه وسلم ) شأن آخر، لقد دعاه موقفه في الدعوة، وتأييدها بالمصاهرة والنسب، وطبيعة الحالة الاجتماعية في عصره، وظروف كثيرة - ليس هذا موضع ذكرها - إلى أن يعدد زوجاته، هذه عائشة بنت صاحبه أبي بكر، وهذه حفصة بنت صاحبه عمر، وهذه أم حبيبة بنت أبي سفيان زعيم قريش، وهذه صفية بنت حيي بن أخطب سيدة قومها من يهود بني النضير، وهذه زينب بنت جحش مطلقة مولاه ومتبناه زيد بن حارثة؛ وعلى الجملة فكن خمس قرشيات وأربع عربيات من غير قريش، بين هلالية وخزامية وأسدية وواحدة من بني إسرائيل، فكان سبب الزواج أحيانا تأليف قوم، أو توثيق رابطة، أو تشريعا جديدا يخالف ما كان عليه العرب، أو عطفا على أيم مات عنها زوجها في جهاد في الإسلام.
وكان النساء في المدينة غير النساء في مكة، فهن في مكة مضغوط عليهن، مستسلمات لأزواجهن، من العار أن يرددن لهم قولا، بحكم بأس رجال قريش وشدتهم وسطوتهم، وعلى العكس من ذلك نساء المدينة، فلهن قسط وافر من الحرية، يراجعن أزواجهن، ولهن رأي يسمع، ومطالب تجاب، واستتبع هذا شيئا آخر وهو غلبة الجد الدائم على رجال قريش ونسائهم، وحب الفرح والمرح في نساء المدينة ورجالها، ففي الحديث أن عمر بن الخطاب قال: «كنا معشر قريش قوما نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم.» وفيه: أن عائشة زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال النبي: أما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو، وتعليل ذلك من الوجهة الاجتماعية يطول.
أفرد رسول الله لكل زوجة بيتا، ومع هذا فالعواطف الطبيعية للنساء لا يمكن محوها، ولا من الخير زوالها، والإنسان إنسان مهما كان، كل منهن كان يحرص أن يكون له من رسول الله أكبر نصيب في حبه، كل تغار إن شعرت بعطف أكبر على ضراتها، وكل يحاسب على النظرة والابتسامة، ولكل نوع من المزايا تدل بها، وأخيرا انقسمن إلى حزبين: حزب فيه عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر وصفية وسودة، وحزب فيه أم سلمة وزينب وميمونة وأم حبيبة بنت أبي سفيان وجويرية.
ثم مشكلة أخرى طبيعية، فعائشة أحب زوجة إلى رسول الله لمزاياها، وفاطمة بنته من خديجة، وطبيعي ما يكون بين البنت ماتت أمها وتزوج أبوها غيرها وبين زوجة أبيها، ويزيد ذلك في نفس الزوجة الجديدة أنها لم تلد، والبنت تزوجت وولدت، والرسول يحب زوجه ويحب بنته ويحب أولاد بنته.
هذه كلها مشاكل مستعصية، ما كان يمكن التغلب عليها والمعيشة الهانئة معها لولا حكمة من الرسول فوق كل حكمة، وكان من نعم الله حدوث هذه المشاكل وظهورها، فقد استوجبت من التشريع الإسلامي قدرا كبيرا، وكان هؤلاء الزوجات - وخاصة عائشة - مدارس يتلقى فيها الصحابة والتابعون علمهم عنهن