وهو في أداء رسالته أمين معصوم، وهو في إنسانيته يفعل ما يفعل الرجل الكامل، يتطلب معالي الأمور ويترفع عن سفاسفها، وينشد المثل الأعلى، ويتجمل بالمروءة، ويشعر بعظم التبعة، وتطهر نفسه فلا يتصنع، ويفعل في السر ما يفعله في العلانية، ويملؤه الشعور بأن الله خالقه وأن الله يراه، وأن الله يأمره وينهاه، فيأتي ما يأتي من الخير، ويذر ما يذر من الشر لا رغبة ولا رهبة، ولكن حبا في الله، ومن أحب أطاع؛ فكان المثل الأعلى للناس في جانبه الإنساني، وجانبه الروحاني، في معاملته وفي بيته وفي دعوته، وفي عبادته، وفي تضحيته، وفي إخلاصه. •••
لقد كان لمحمد (
صلى الله عليه وسلم ) بيت في مكة قبل الهجرة، وبيت في المدينة بعد الهجرة، والبيتان مختلفان في مظاهرهما.
ففي مكة ظل من غير زواج إلى الخامسة والعشرين، وهي سن متأخرة بالنسبة لحالة العرب الاجتماعية إذ ذاك، ولكن دعا إلى هذا التأخير فقره، وما الفقر بعيب، فلما أتيح له الزواج تزوج، وكان الزواج مؤسسا على أساس صحيح، من معرفة الزوج للزوجة في خلقها وخلقها ونسبها، وكانت الزوجة تعرف زوجها كذلك، فأحر أن يكون هذا الزواج موفقا، لقد عرفت خديجة محمدا في تجارتها، وكانت تبعث بالرجال يتاجرون لها بالمال في الشام كما يفعل أغنياء قريش، فبعثت محمدا في ذلك فعرفها وعرفته بعد أن سمعت به وسمع بها، وخبر كل حال الآخر عن قرب، ثم كان أن عرضت عليه أن يتزوجها بعد أن خطبها كثير من رجال قريش فأبت عليهم، ولعلها قرأت فيهم الطمع في مالها ورأت فيه التعفف عن مالها، كما كانت من أولئك النساء القلائل اللائي يقرأن المعاني في الرجل أكثر مما يقرأن المادة والمظاهر، «فأرسلت إليه نفيسة بنت أمية» دسيسا إليه، فقالت له: ما يمنعك أن تتزوج؟ قال: ما في يدي شيء، قالت: فإن كفيت ودعيت إلى المال والجمال والكفاءة؟ قال: فمن؟ قالت: خديجة، فأجاب.
كانت خديجة امرأة مكتملة، في الأربعين من عمرها من قريش أما وأبا، تزوجت في شبابها رجلا من خيار بني تميم اسمه أبو هالة فولدت منه ابنين هما هند وهالة، ثم مات عنها فتزوجها قرشي اسمه عتيق بن عابد فولدت له بنتا اسمها هند ثم مات عنها كذلك، وقد عاش الثلاثة، ولعل مالها جاءها من قبل زوجيها، فكانت ذات مال وذات تجارة في حياة أبيها.
ثم تزوجت محمدا في الخامسة والعشرين من عمره. •••
في بيت، في حي التجار بمكة، كانت تسكن هذه الأسرة خديجة وأولادها الثلاثة ومحمد، وصبي صغير كانت اشتدت الأزمة بأبيه، فرجاه أهله أن يأخذوا عنه بعض أولاده يعينونه في تربيتهم فأخذ محمد أحدهم، وكان هذا الصبي علي بن أبي طالب، كما كان يسكنه مولى لهم هو زيد بن حارثة، فتعادل البيت بصبيانها وصبيه، وتعادل الكسب بمالها وعمله، وظل هذا البيت سعيدا خمسة وعشرين عاما، يتبادل فيه الزوجان الحب والألفة والتعاون، فلم نسمع مرة بخلاف ولا مشادة ولا غضب ، رزقت منه بأولاد لم يعش منهم إلا بنات أربع، ربين في هذا الوسط الوادع السعيد، وقد اعتاد العرب في هذا الزمن أن يعددوا زوجاتهم، وخاصة في سني شبابهم، ولم يعدوه عيبا، ولا تعده النساء كذلك، ولكن محمدا لم يفعل هذا حبا في خديجة وحرصا على رضاها، ولأنه يشعر أنه مهيأ لأمر عظيم يتطلب التقلل من مشاغل الدنيا.
كان يشغله التفكير في أمر قومه، وضلالهم في عبادتهم، وفساد نظامهم، وكان مقتنعا كل الاقتناع بأن ما عليه قومه ضلال لا شك فيه، وما يعبدونه باطل لا محالة، ولكن ما هو الحق؟
وكانت تبدو عليه نزعة دينية حائرة تتلمس الحق وتصبو إليه، وكان يبث خديجة كل ذلك فتفهمه وتشجعه وتعينه، ولقد شوهدا ومعهما علي في الكعبة يعبدون الله على نحو خاص غير ما تفعله قريش، كان هذا يملك عليه نفسه، فكانت خديجة له أكبر عون، فلما حببت إليه العزلة، ورأى أن يمضي في عزلته الليالي في غار حراء كانت هي التي تعد له زاده، وتفهم نفسه وتعينه على غرضه، ولما جاءه الوحي لأول مرة ورجع إلى خديجة يرجف فؤاده، كانت هي التي دثرته وأذهبت روعه وأخذته على ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان رجلا متنصرا عالما بالأديان فطمأنه أنه الوحي، فكانت أول إنسان آمن برسالته وصدقه في قوله؛ لأنها رأت منه ما لم يره أحد، رأته في بيته على فطرته وسجيته فلم تقع منه على كذبة، ولم تقف منه على رياء، ولا يعرف أحد أحدا كما يعرفه أهل بيته، فهناك المظهر الحقيقي والإنسان على سجيته، ورأت مقدمات الوحي خطوة خطوة فسهل إيمانها بالنتيجة؛ ولا تسل عن عظمة هذا الموقف يوم يتجلى للعظيم الحق فيجد في الوجود إنسانا بجانبه يؤيده ويثبته.