ومنها:
اللهم قيض لنا فرجا من عندك، وأتح لنا مخلصا إليك، فإنا قد تعبنا بخلقك، وعجزنا عن تقويمهم لك، ونحن إلى مقاربتهم في مخالفتك أقرب منا إلى منابذتهم في موافقتك؛ لأنه لا طاقة لنا بدهمائهم، ولا حيلة لنا في شفائهم.
اللهم تولنا فيما وليتنا حتى لا نتولى عنك، وآمنا مما خوفتنا حتى نقر معك، وأوسعنا رحمتك حتى نطمئن إلى ما وعدتنا، وفرق بيننا وبين الغل حتى لا نعامل به خلقك، وأغثنا بك حتى لا نفتقر إلى عبادك، فإنك إذا يسرت أمرا، تيسر، ومهما بلوتنا فلا تبلنا بهجرك، ولا تجر عنا مرارة سخطك، قد اعترفنا بربوبيتك عبودية لك فعرفنا حقيقتها بالعفو عنا؛ والإقبال علينا، والرفق بنا يا رحيم.
هذا قليل من كثير مما في الأدب العربي من هذا الباب، وهي كما ترى تتدفق قوة وتفيض روحانية وتسمو معنى، إلى رصانة بلاغية، وموسيقى دينية، فلو عني بها مؤرخو الأدب كما عنوا بالأدب المادي من الغزل، والمديح، والفخر، والهجاء، لظهر الأدب العربي بصورته الكاملة من مادة وعقل، وشهوة وروح! ولعلي أعود بعد إلى هذا الموضوع.
الفصل الأربعون
| محمد رب بيت
فكرة باطلة سادت أفكار بعض الناس في معنى «الرسالة»، فخلع بعضهم عليها أحيانا بعض أوصاف الألوهية، وأحيانا بعض أوصاف الرهبانية، من مبدأ البعثة إلى اليوم، وكان النبي (
صلى الله عليه وسلم ) يحارب هذه الفكرة كما يحارب الألحاد ويعلن ويكرر في كل مناسبة أنه «بشر رسول» لا «ملك رسول».
من مبدأ البعثة اجتمعت صناديد قريش بمكة فقالوا لمحمد: «لقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادا ولا أقل مالا ولا أشد عيشا منا، فسل ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، ويبسط لنا بلادنا، وليفجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل، فإن لم تفعل فسل ربك أن يبعث ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، ولتسأله فيجعل لك جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة، ويغنيك عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولا، فإن لم تفعل فاتخذ إلى السماء سلما ترقي فيه وتأتي معك بنسخة منشورة ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول.».
فقال محمد: «سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا.».
لقد أخطئوا؛ إذ نسوا أنه بشر لا يقدر على الإتيان بهذه الأشياء ولا يستطيع اقتراحها لما فيها من التعنت والتحكم، وليس للرسول أن يتحكم على الله فيطلب منه خرق قوانينه التي أدار عليها ملكه.
وخطأ آخر مثله وقع فيه بعض المسلمين؛ إذ خلعوا عليه بعض أوصاف الرهبانية، فقد روي في الحديث أن بعضهم كان يسأل عائشة ماذا كان يفعل رسول الله في بيته ظانين تبتله، فكانت تجيبهم أنه يفعل في بيته ما يفعله الرجل الكريم بأهله «وسألها رجل ما كان رسول الله يصنع في أهله، قالت كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة».
وجاء ثلاثة نفر إلى بيوت أزواج النبي فقال أحدهم إني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال ثالث: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فقال عليه الصلاة والسلام: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
لقد كان محمد إنسانا يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق ويتاجر ويتزوج، وكان رسولا عرف الله ودعا إليه، اختارته العناية الإلهية ليكون سفيرا بين الله وخلقه، فله جانبه الإنساني فهو يضرب في الأرض يسعى ويكد، وتتوارد عليه العواطف الإنسانية، وله جانب روحاني يتصل فيه بربه، ويتلقى رسالته ويبلغها خلقه، يحيا كما يحيا الناس ويجري عليه حكم الموت كما يجري على الناس، ويتصل بالله كما يتصل الرسل، ويؤدي رسالته كما يؤدي الرسل، فمن زعم أنه فوق قوانين البشر فقد أخطأ، ومن جحد رسالته فقد أخطأ.