عمرو :
كلامي معك في الحق والخلق ككلامي معك في الجمال، وردي عليك ردي عليك، إن الحق والباطل والخير والشر معان مجردة لها وجود ذاتي، بقطع النظر عن نتائجها، ويجب أن يطلب الحق لذاته بقطع النظر عما ينتج من لذة، ويتجنب الباطل لذاته لا لألمه؛ شأن الخير شأن الحق، شأن الصدق، شأن حكاية الواقع، فإذا قلت: إن قنبلة سقطت في مكان كذا ولم تنفجر، فهذه حقيقة حدثت في الوجود بقطع النظر عن نتائجها، علم الناس بها أو لم يعلموا، شعروا بها أو لم يشعروا؛ وشعرونا وعدم شعورنا لا دخل له في الموضوع، وهذا إن وافق الواقع فهو صدق، وإذا أخبرت به ففضيلة كائنا ما كان أثر الخبر في نفوسنا، قد يؤلم بعض الناس الصدق وقد يلذ بعض الناس، ولكن هذه أعراض لا شأن لها بالموضوع في حد ذاته؛ ومثلك إذا تلذذت أو ألمت كمثل «الترمومتر» الحائطي الذي ذكرته، قد يدل على درجة حرارة عشرين، ولكن قد تكون قد شربت معرقا أو جريت شوطا فتشعر أن درجة الحرارة في الحجرة لا تقل عن أربعين، وقد تأخذك رعدة فترى أن درجة الحرارة يجب أن تكون صفرا، وشعورك هذا أو ذاك لا يغير الواقع وهو أن درجة الحرارة عشرون.
ولو كان الأمر يرجع إلى الشعور بأثر العمل فقط، ولم يكن هناك حق في ذاته ما احتقر الباطل ولا فضل الفاضل، ولكان الأمر في الحق والخير أمر الذي يذوق الشيء فيستطعمه أو يستهجنه، وفي ذلك خراب العالم، وضياع الإنسانية، بل على رأيك لم يكن فرق بين محق ومبطل، وفاضل وسافل، فكل يحكم على الشيء حسب شعوره ومقياسه، وهل هذا هو ما يقوله علم نفسكم؟
الحق - يا أخي - أن هذا ضرب من السفسطة في أسلوب حديث، ويجب أن يحارب هذا الاتجاه كما حرب سقراط وأفلاطون وأرسطو السوفسطائية القديمة.
إن نظركم هذا جعل الحق والفضيلة سلعة تجارية يحسب ثمنها باللذة والألم فتشرى أو تباع حسب السوق، ولعل هذا أكبر نقطة سوداء في مدنيتكم الحديثة، ولإصلاحها يجب أن تكون هناك مثل عليا من حقائق وفضائل لها قيم ذاتية.
إن مثل رأيي ورأيك كمثل العالم في معمله ، والتاجر في تجارته، إن العالم الحق يبحث عن الحقيقة في ذاتها كائنة ما كانت، وسواء عنده الشيء الصغير والشيء الكبير، وسواء عنده في بحثه الذهب والرصاص، فيأتي التاجر بعد فيستغل نتيجة بحث العالم لاستعمال الآلات والسلع وفق ما وصل إليه العلم، ويقلبه إلى تجارة فيها كل الأخلاق التجارية.
فكذلك نحن وأنتم، نحن نبحث عن الحق حيث كان، وفي أي حال كان، ثم تفسدون علينا حقنا باتخاذه متجرا بالبهلوانات السياسية، والشعوذة الأخلاقية، وحساب الخلق باللذة والألم كما يحسب التاجر بضاعته بالدينار والدرهم، إن الحق لا يتعدد ولا يتغير بالاعتبارات الشخصية كالمادة أمام العالم، إنما تتغير السلع في الأسواق في نظر التاجر.
في نظري أن الصحراء هذه لها قيمة ذاتية، وجمالها له قيمة ذاتية، سواء كان مزاجك مما يلذه هذا الجمال أو لا يلذه، ويقومه أو لا يقومه، فإن قومه فمزاجك صحيح وجمال الصحراء حق، وإن لم يقومه فمزاجك غير صحيح وجمال الصحراء حق، أليس هذا هو الحق يا أيها السيد «زيد»؟! •••
وآذنت الشمس بالغروب، وبدأ الجو يبرد، وحرارة الشمس تضعف، وأخذنا نستعد للعودة، ورأسي يكاد يتصدع، وأضاع علي الصديقان لذة الصحراء وجمالها، فآليت من يومئذ ألا أخرج إلى الصحراء، مع فلاسفة بل شعراء، وإلى اللقاء.
الفصل التاسع والثلاثون
| أدب الابتهال
هذا نوع من الأدب راق جدا في الأدب العربي، ولكن لم يلتفت إليه مؤرخو الأدب، أحببت عرض نماذج منه لنتبين قوته وروحانيته وبلاغته.
والابتهال في اللغة التضرع، والاجتهاد في الدعاء، والإخلاص لله فيه؛ ومن ثم استمد روحانيته وقوته من موقف المبتهل حيث يتحرر من شئون الحياة الدنيا وأعراضها ومشاكلها ومشاغلها، ويتفرغ إلى ربه، ويناجيه، ويسمو عن المادة وحقارتها؛ فكان بذلك أدب روح لا أدب مادة.