تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كل هذا وأكثر منه كشفه العلم، فأصبح من يقول بالقيمة الذاتية للجمال طرازا قديما. •••

هنا احمر وجه صاحبنا «عمرو» من لفحة الهواء والشمس أولا، ومن كلام زيد ثانيا؛ وقال: هذا قول هراء يحملكم عليه إيمانكم دائما بما في الكتب، وهيامكم دائما بالجديد وإن لم يبن على أساس صحيح.

لو صح قولكم لم يكن لصورة فضل على صورة، ولا لشعر فضل على شعر، ولا لجمال امرأة فضل على أخرى، وكان كل ذلك يرجع إلى الذوق الشخصي فقط، ولكان شعر أبي نواس والمتنبي وشوقي كشعر أحقر شاعر، كل ما هنالك من فرق أن هذا يستحسنه ذوق، وذاك يستحسنه آخر؛ ولما كان هناك معنى لقولنا: شعر عظيم وشعر حقير، وصورة رائعة وصورة قبيحة، إلا أن يكون تعبيرا فقط عن شعور القائل؛ ولو كان هذا كافيا لحكمنا على الصورة الجميلة أو الشعر الجميل بعدد الأصوات، بقطع النظر عن ذوق راق وذوق غير راق، وذوق الفنيين وغير الفنيين، وهذا ما لا يسلم به عاقل، أما على رأيي فالأمر واضح، وهو أن هناك ذوقا راقيا وذوقا غير راق، ومعنى الذوق الراقي أن صاحبه يدرك في الشيء المرئي أو المسموع صفات ذاتية فيه لا يدركها الذوق غير الراقي على أننا لم نقل إن جمال الشيء وقبحه - كوزن الشيء - محل وفاق، ولكنه محل خلاف، وسبب الخلاف بين الناس الاختلاف في الذوق، ومعنى الاختلاف في الذوق أن بعض الأذواق قادر على إدراك صفات الجمال والقبح في الشيء وبعضها غير قادر، وإني أومن بأن الذوق يختلف باختلاف زمان الشخص ومكانه، وبمقدار المدنية التي يعيش فيها وبمقدار ثقافته، وبمقدار مزاجه وسنه، وبنوع وراثته، ولكن ليس معنى هذا أن حكمي بالجمال والقبح يقتصر على حالتي النفسية والعقلية، وأن ليس هناك صفات خارجية في الشيء المحكوم عليه.

ما الذي دعاك - يا أخي - إلى أن تخرج معنا إلى الصحراء تتحسس جمالها إن لم يكن هناك إلا الذوق؟ لقد كان يكفيك ذوقك في بيتك، وفي أي منظر يقع عليه حسك، ولماذا قصر ذوقنا على إدراك الجمال في أشياء خاصة كالموسيقى والشعر والتصوير والطبيعة، ولم يتعدها إلى غيرها؟ أليس ذلك؛ لأن فيها صفات خاصة إذا توفرت في الشيء كان جميلا، وإن لم تتوفر كان قبيحا؟ •••

ومدت مائدة الصحراء ففرشت صحف الجرائد، وأثقلت بالصحاف، من دجاج ولحم وبطاطس، ثم موز وبرتقال.

وأخذ صاحبنا «عمرو» يلذع صاحبنا «زيدا» بنوادره، فيقول: «ما أشهى اللحم»، ولكنه يا أخي ليس شهيا في ذاته، فإذا حورت ذوقك وجدت الفول النابت أشهى، والجبن بالفجل ألذ، وليس في حمرة البرتقالة واستدارتها جمال، إنما هو ذوقك، ولو أن ذوقك استجمل حجرا مدورا وفضله على البرتقالة في جمالها لم يكن ثمة محل للجدل؛ ويتبع كل لذعة منه بضحكة تستخرج ضحكنا.

وانتهينا من الأكل، ورجوت أن ينتهي الحديث، وحاولت ذلك فعلا، ولكني فشلت؛ فصاحبنا عمرو عنيد، يلج في الخصومة حتى يريد أن يدخل مناظره في جحر، فأثار مسألة أعقد وأدق؛ إذ سأل: هل رأيك في الأخلاق والحق كرأيك في الجمال، شيء نسبي ليس إلا، أو لهما وجود ذاتي خارجي؟ وهل العلم الذي لا يؤمن إلا بالمنظور والمسموع يؤمن بشيء خارجي اسمه العدل والظلم، أو الحق والباطل؟ وما رأيك في أقوال القرون الوسطى في ذلك؟

زيد :

اهزأ بي ما شئت، وهرج ما أردت، فليس يزيدني ذلك إلا تمسكا برأيي، والشأن في الفضيلة والرذيلة والحق والباطل عندي كالشأن في الجمال والقبح، إن الإنسان أول ما واجه الأعمال الصادرة من أمثاله، رأى أن بعض الأعمال - التي تصدر عن الناس - تسره وتدخل عليه اللذة فرضيها وسماها فضيلة أو ما يرادف ذلك، ورأى بعض الأعمال تؤلمه فسماها رذيلة أو ما يرادفها، ثم أتت الأجيال بعد ذلك فنظرت إليها كأنها أشياء خارجية لها قيم ذاتية، فقدستها أو احتقرتها.

فكل فضيلة أو رذيلة ترجع إلى إحساسنا باللذة والألم، فالصدق والكذب والعدل والظلم، والشجاعة والجبن، كل هذه رضيناها؛ لأنها سببت لنا لذة أو ألما، ثم نظرنا إليها كأنها أشياء مجردة تطلب لذاتها، أو تتجنب لذاتها، كشأن البخيل طلب المال أولا؛ لأنه وجده محققا لأغراضه، موفيا للذاته، ثم بمرور الزمن والاعتياد والإلف طلب المال لذاته، ولما ارتقى الإنسان واتسع أفقه أصبح يقيس اللذة والألم بمقياس الأمة والمجموع، لا بمقياس شخصه، إنما هي على كل حال ترجع إلى شعورنا وشعور الناس باللذة والألم، وهذا الشعور فينا وليس خارجا عنا، وعواطفنا ومنافعنا هي التي تملي علينا الحكم بالخير والشر، فالسعادة هي الغاية الأخيرة لا الفضيلة، وإنما الفضيلة وسيلة للسعادة، وحكمنا على الناس كذلك، فنحن نحكم على الإنسان أنه طيب؛ لأنه يسعدنا ويسعد مجتمعنا، والعكس، وهذا أيضا هو ما تتجه إليه النظريات الحديثة في الأخلاق وعلم النفس والاجتماع، وهذا هو العلة في تغير تقويم الأخلاق باختلاف العصور والأوضاع وتغير ترتيبها في الأهمية، وذلك باختلاف الناس لا باختلاف الأشياء؛ والعمل الواحد قد يكون خيرا في موقف، وهو نفسه قد يكون شرا في موقف آخر، تبعا لأثره في نفوس الناس ومشاعرهم باللذة والألم، ولو كان هناك شيء خارجي اسمه الحق أو الفضيلة لم يتغير الحكم عليه!

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٦٥