وأمعنا في طريق السويس حتى وصلنا إلى منتصف الطريق، فعرجنا يسرة، وبعدنا عن مسير الناس في غدوهم ورواحهم، ثم تخيرنا مكانا نستطيع فيه أن نستدفئ بالشمس إذا شئنا، وننعم بالظل إن أردنا.
وكنت في رفقة من العقليين المتفلسفين، يحلو لهم التفلسف في كل شيء، فهم قادرون على أن يخلقوا من الحبة قبة، ويؤلفوا من الهنة كتابا؛ وهم بطبيعتهم وثقافتهم يفلسفون كل ما يقع تحت سمعهم وبصرهم، ويستخرجون منه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولذلك أعددت نفسي لرؤية منظر «جامعة في الصحراء»، أو إعادة ذكرى مذهب المشائين؛ ولكني ما استطعت أن أحزر وجهة الحديث ولا موضوعه، وإن كنت توقعت أن يكون بطلا الحديث رجلين، أحدهما تفلسف في مصر، ثم أتم فلسفته في فرنسا، وقرأ كثيرا حتى كاد يلتهم الكتب، ولا يأتي حديث عن كتاب إلا وصفه لك في إفاضة، وشرح نوع فلسفته وقول نقدته، وهو - كما يقول العرب فيه - علمه أكبر من عقله، ولنسمه على عادة النحويين بزيد؛ والآخر متفلسف في مصر فقط، لم يقرأ كما قرأ الأول، ولكنه فكر طويلا في قراءته القليلة، فكان عقله أكبر من علمه، ولنسمه بعمرو، وهما في حديثهما دائما كالضرتين، لا يقول أحدهما رأيا إلا نقضه الآخر، ولا يذهب أحدهما ناحية إلا يذهب الآخر الأخرى؛ يدل زيد بعلمه الواسع، ويدل عمرو بنقده اللاذع، ويفخر الأول بغذائه الشامل، ويفخر الآخر بهضمه الكامل، ولكن رجوت أن صحو الجو والقصد إلى الراحة يجعلان من خلافهما وفاقا، ومن فلسفتهما شعرا، ولكن خاب ظني، فما بالطبع لا يتخلف، ويموت الزامر وإصبعه تلعب. •••
بدأت الحديث بالتغزل في الصحراء وجمالها، والجو وصفائه، ونسيت فعمقت، فقارنت بين جمال الريف وجمال الصحراء، وجمال الزرع وجمال الرمل وجمال البساطة وجمال التركب، وجمال الخلقة وجمال الصنعة، ففتحت من حيث لا أدري بابا من الجدل لا ينتهي، وكان هذا كل نصيبي من الحديث، ثم استطار الشر بينهما.
زيد: أتظن - يا أستاذ - أن هناك في الخارج شيئا اسمه جمال؟ إننا نحن بأنفسنا نخلق الجمال، إن الأمر في الجمال ليس كالأمر في «الترمومتر» الحائطي يريك درجة حرارة الحجرة من غير أن يكون لنا دخل فيها، بل هو «كالترمومتر» نقيس به حرارتنا، فهو لا يبين شيئا ما لم نضعه تحت لساننا، إنه ليس كحاصل الجمع وحاصل الضرب، هما كذلك في الخارج أخطأنا أم أصبنا، بل هو كالشيء تذوقه فتستحليه، ويذوقه الآخر فيستمره، والأكل تستطعمه أنت ويستقبحه غيرك، وكلا الحكمين صحيح، إن الصورة الفنية المعروضة لا قيمة لها في ذاتها، وإنما ذوقنا هو الذي ينشئ جمالها، ولذلك إذا لم يكن ذوق يستجملها لم تكن جميلة، والجمال مقصور على من له ذوق يذوق جمال الصورة، وإن شعر امرئ القيس وأبي نواس والمتنبي وشوقي ليس له قيمة ذاتية، إنما جماله لمن مرن ذوقه على نحو خاص حتى صار يتذوق جماله، فإذا لم يكن الذوق لم يكن الجمال؛ فليس جمال الشيء صفة خارجية كوزنه مثلا، وإنما هو ذوق فينا، ولذلك لا يختلف الناس في زنة الشيء، ولكنهم يختلفون جد الاختلاف في جماله.
إن العلم الآن لا يؤمن إلا بالمنظور والمسموع، لا كما كان العهد في القرون الوسطى يؤمن بالمتخيل والموهوم، وعلم النفس الحديث أبان أن الحكم على الأشياء - ومنها الحكم بالجمال والقبح - ناتج من عوامل كثيرة لا شعورية؛ فالذوق قد يستهجن قطعة موسيقية ويكره - دائما - أن يسمعها، فإذا حللت ذلك تحليلا دقيقا رأيت أنها لا ترجع إلى القطعة نفسها، ولكنها سمعت لأول مرة في ظروف سيئة للشخص أوحت إلى عقله الباطن كراهيتها، فظل يكرهها دائما، والقطعة الموسيقية نفسها لا دخل لها في ذلك، وكذلك ترى من الناس من يكره اللون الأصفر أو الأزرق لأسباب خاصة حدثت له، وقد ينساها ويبقى أثرها في نفسه؛ أما اللون نفسه فلا شأن له بالكراهية أو الاستحسان.