إن المدرسة الحقة والتربية الصحيحة هي التي تنظر إلى شيئين لا بد منهما؛ أولهما: حاجات الأمة إلى أنواع المهن والحرف ونسبها العددية، وما تحتاجه كل مهنة وحرفة من ثقافة خاصة؛ وثانيهما: نوع استعداد الناشيئن، هذا نبوغه في يده، وهذا نبوغه في إدارته، وهذا نبوغه في الأعمال المالية، وهذا نبوغه في عقله؛ ثم يتجه التعليم على هذين الأساسين: أساس الغرض وأساس الاستعداد، ويتجه التوزيع كذلك، ويوجه الناشئون كذلك، فإذا كل يعمل حسب ما خلق له، وإذا كل يعمل حسب حاجات الأمة، وإذا الناشئ يتضح له مستقبله ويعلم إلى أي طريق هو مسوق.
وهي مهمة عسيرة جدا شعر بصعوبتها أكثر رجال التربية، وبذلوا الجهد في حلها، وأدركت الأمم الحية هذه الغاية السامية فبدأت توجه المدرسة وجهتها الصحيحة.
إن كان هذا النظر صحيحا فما أغرب ما نسير عليه الآن وقبل الآن، إننا نعلم التعليم الأولي ورياض الأطفال ليسلم كل ذلك إلى التعليم الابتدائي، والتعليم الابتدائي كله بألوفه المؤلفه يسلم للتعليم الثانوي إلا القليل النادر، والتعليم الثانوي بألوفه المؤلفة كذلك يسلم إلى التعليم الجامعي، إلا في القليل النادر، كأن التعليم كله يقصد به الجامعة، فأين الزراعة العملية، والصناعة العملية، والتجارة العملية، ومرافق الحياة كلها العملية؟
إن التعليم الجامعي في الأمم ليس إلا للخلاصة من الأمة، للقادة، للباحثين، للنظريين، فكيف يتجه التعليم كله إليه ويحضر له، ويصبغ الناشئون كلهم أو أغلبهم بصبغته؟
هذا قلب للوضع وخطأ في التفكير، إن الذين يتعلمون في الجامعة لا يصلون إلا إلى نحو 10٪ من مجموع المتعلمين، فكيف نضحي تسعين لأجل عشرة؟
لا بد - إذن - أن يقصر الإعداد للتعليم الجامعي على عدد خاص يقاس بحاجة الأمة، ويقاس باستعداد الناشئ، وفيما عدا ذلك يجب أن ينظر إلى كل نوع من أنواع التعليم على أنه غرض لا وسيلة، ومعد للحياة لا معد للجامعة، ونتيجة هذا تنويع التعليم وتنويع البرامج وتنويع الغرض وتنويع الإعداد حسب مطالب الحياة المصرية.
لقد وضعتنا الظروف وضعا شاذا فكان التعليم كله للوظائف الحكومية، ثم تحول تحولا آخر بعض الشيء فأصبح التعليم للجامعة، وكلاهما خطأ، فيجب أن يكون لا للوظيفة الحكومية ولا للجامعة، ولكن لمرافق الحياة ومطالب الأمة واستعداد الناشئ.
كل ناشئ يجب أن يسلح لنوع مما تحتاجه الأمة على اختلاف حاجاتها لا أن يكون غرض الجميع «شهادة»، يجب أن يكون غرض كثير من الطوائف أن يكونوا صناعا مهرة أو تجارا مهرة أو زراعا مهرة، أو ما شئت من مختلف المهن والحرف، ثم يجب أن تتعدد المدارس وتتنوع حسب هذه الأغراض.
من توابع هذا الخطأ تقاليدنا في توزيع الشرف، وشعورنا أن أكبر شرف يمنحه الجمهور لموظف الحكومة أو لخريج الجامعة، فيجب أن تهدم هذه القيم ويوزع الشرف توزيعا جديدا، ويوجد شعور عام بأن شرف المهنة الحرة كشرف الوظيفة الحكومية أو أكبر منه.
يجب أن نفعل في التعليم ما نفعل في المستشفى، كل مريض له علاجه الخاص ودواؤه الخاص، وليس هناك مجنون يعالج المرضى المختلفين علاجا واحدا، فما بالنا نصب الناشئين في قالب واحد مع التباين في استعدادهم وملكاتهم ومع حاجات الأمة المختلفة ومطالبها المتعددة؟
إن التعليم في المدارس يجب أن يكون تفتيحا للحياة وإعدادا للعمل، لا تضحية للناشئين لشرف موهوم وغرض مجهول، ويجب أن توزع الجداول في المزرعة حسب حاجة الأرض إلى الماء لا حسبما اتفق.
الفصل الثامن والثلاثون
| في الهواء الطلق (3)
كانت رحلتنا هذه المرة رحلة شتاء، في الصحراء، وللصحراء، جمالها الساحر، سكون عميق يهدئ الأعصاب، وصفاء جو ينعش النفس، وأنس بالطبيعة كما خلقت، فليس يقع النظر فيها على عمل من أعمال الإنسان، فلا زرع ولا بناء، ولا جند ولا حكومة، كل شيء فيها من عمل الله وحده من غير تدخل أحد؛ جو فسيح طليق تتجاوب فيه الرياح، فلا يحبسها بناء، وشمس تسطع فلا يقيدها قيد، وللهواء والشمس طعم ولون ورائحة غير ما لهما في الحاضر، يشعر الإنسان فيها بقربه من الطبيعة وقربه من ربه، ويشعر بلذعة من عيشته الحضرية في جو مصطنع كل ما فيه وليد التكلف والرياء والنفاق.