تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي هذا القرن وأواخر القرن السابق أخذ علماء التربية يفكرون في أن يضموا إلى تربية العقل تربية اليد، فأخذت المدارس تعنى بهذه الناحية من رسم وتصوير وأشغال يدوية وما إلى ذلك، وأخيرا جدا تنبهوا إلى وجوب إضافة تربية القلب إلى تربية العقل واليد، بوضع برامج يكون الغرض منها تحسين العلاقة بين أفراد الأمة الواحدة وبين الأمة والأمم الأخرى، لما رأوا من أن شرور العالم ومصائبه ناشئة من سوء العلاقات، إما بين أفراد الأمة الواحدة بعضهم وبعض، وإما من سوء علاقات الأمم بعضها ببعض، وأن الكوارث الطبيعية من فيضان وزلزال وبركان لا تساوي شيئا بجانب ما يحدث من الإنسان للإنسان من ظلم وإجرام وإفقار، فلما شعروا بذلك بدءوا يدخلون في المدرسة مبدأ تربية القلب، ولكن - مع الأسف - عنوا بتربية حسن العلاقة بين أفراد الأمة الواحدة بما أدخلوا من دراسة التربية الوطنية، ولما يعنوا العناية الكافية بتربية القلب من ناحية الإنسانية، وربما كان من أكبر أسباب ما يصيب العالم الآن من ويلات عدم توازن عناصر التربية، فقد تقدم جدا العنصر العقلي وما تبعه من مخترعات، فالقوات المحركة والكهرباء والراديو والطائرات وآلاف المخترعات هي كلها نتيجة العلم، أو بعبارة أخرى نتيجة عنصر العقل، وكذلك هي كلها نتيجة لعنصر اليد، ولكن تخلف جدا عنصر القلب؛ إذ لم يدخل في برامج التربية إلا حديثا، وما دخل منه دخل ضيفا محدودا بحدود الوطنية.

قصة قرأتها اليوم، وهي أن عالما كان يفخر أمام فيلسوف هندي بما تقدمه العالم وما اخترعه من مخترعات؛ فقال ذلك الحكيم: نعم أيها العالم، إنكم استطعتم أن تجولوا في السماء كالطير، وأن تسبحوا تحت الماء كالسمك، ولكنكم لم تستطيعوا أن تسيروا على وجه الأرض في أمن وطمأنينة كالحيوان.

فلو قلل من شوط العقل في برامج المدرسة وأخذ شيء من نشاطه الكثير في تربية القلب لكان العالم أسعد، وهذا ما نشاهده كل يوم، فمتعلم لا قلب له شر على الأمة ألف مرة من جاهل له قلب.

ما وظيفة المدرسة؟ لقد كثرت الإجابات على هذا السؤال، وخيرها في نظري هو إعداد الأطفال والشباب لينسجموا مع المدنية التي ولدوا فيها.

إن الطفل يولد عاجزا كل العجز عن أداء أي واجب من واجبات الحياة، ضعيف الجسم، ضعيف العقل، غير مسلح بأي سلاح، مملوءا بالغرائز الضارة غير المهذبة، ليس فيه من مزية إلا أنه يتكون من مادة خامة صالحة للتربية، فتأتي التريبة وتصوغ هذه المادة وتجعل منها - إن صلحت - إنسانا عاقلا نافعا صحيحا مهذبا منسجما مع مدنيته، لهذا كان لا بد لكل أمة من غرض محدود ومثل أعلى تنشده، مشتقا هذا الغرض وهذا المثل من ظروفها وأحوالها ومدنيتها، ثم تصوغ الأطفال في المدارس صياغة تحقق هذه الغرض، وتجعل منهم أعضاء نافعين لجمعيتهم، وتحيطهم بجو من العلم ومن النظام ومن الشعائر والتقاليد يساعد على بلوغ الغاية المنشودة، لهذا يجب على المدرسة إعداد الناشئين من نواحيهم المختلفة وقواهم المتعددة.

ثم من وظائف المدرسة الإعداد للحياة، فكل أمة لها مركزها الخاص، ولها مرافق متعددة تختلف كثرة وقلة حسب موقفها الاجتماعي من مرافق صناعية وزراعية وتجارية وما إلى ذلك.

فكل أمة عليها أن تدرس حاجاتها ومرافقها المختلفة وتحدد ما يتطلبه كل مرفق من النسبة العددية، وما يتطلبه كل مرفق من الثقافة والإعداد، ثم تعد الناشئين في مدارسها لمواجهة الحياة العملية في مرافقها المختلفة.

يجب أن يكون التعليم في المدارس نافعا، ومعنى نفعه إعداد الشاب للحياة المستقبلة التي سيواجهها في حياته العملية، ويجب أن يوجه التعليم النظري إلى هذا الغرض النفعي العملي.

قد كان تعليم المهنة قديما في المدرسة العملية، فكان ابن النجار يتعلم النجارة من دكان أبيه، وابن الحداد والفلاح والتاجر كذلك، فكان التعليم متجها إلى غرض مرسوم، ولكن ضاع هذا، وما كان يمكن أن يستمر في مدنيتنا، وكان ينقصه الثقافة العقلية والخلقية من حيث إن المتعلم إنسان، وحلت محل ذلك كله المدارس، ولكنها تغالت في الناحية النظرية، وأهملت الشيء الأساسي، وهو الإعداد للمهنة وللحياة العملية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٦٢