تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من كل هذا نرى أن الحضارة صحبها في كل نواحيها تعقيد وتكلف ورياء وتصنع وبعد عن البساطة؛ وأن هذا التكلف والتصنع قد جر من الشرور على العالم ما لا يحصى، ولكن هل هذا عرض ملازم للحضارة لا يمكن أن تنفك عنه، أو هو - كما يقول المناطقة - عرض مفارق يمكن أن يكون، ويمكن ألا يكون.

إن الحضارة درجة في الرقي طبيعية فلا يمكن ولا من الخير أن يتبدى الناس بعد أن تحضروا، ولكن ألا يمكن أن نتحضر وأن نتبسط معا؟

لست أرى أن الحضارة من لوازمها التعقيد، بل إني أتصور حضارة سامية تعنى ببساطة العيش مع انتفاعها بما وصل إليه العلم.

وقد قرأنا أخبارا عن قوم نبلاء عاشوا عيشة البساطة وسط الحضارة كما فعل تولوستوي في حياته الأخيرة، وقد قرأت قصة لطيفة في كتاب «أدب النديم»؛ إذ حكى أن عبد الله بن طاهر دعاه غني إلى وليمة، ثم أخر الأكل لإعداده إعدادا يتناسب ومقام ابن طاهر، فطال غيابه ثم أحضر من الألوان والتصنع والتكلف ما لا حد له، فلما هم ابن طاهر بالانصراف سأله الداعي: أيأمر الأمير بشيء؟ قال: أن تذهب إلى فلان وتتعلم منه الفتوة؛ فذهب إليه وكان الوقت وقت غداء، فأمر الخادم أن يحضر ما عنده من غير أن يزيد شيئا، فحضر طعام نظيف بسيط لساعته، ثم قال له: هذه هي الفتوة التي أراد طاهر أن أعلمكها.

على أنا نجد اليوم نزعة ظاهرة في المدنية الحديثة، وهي كراهية التكلف والسآمة من التعقيد في المعيشة، والإمعان في الملذات، والتصنع في الفن والأدب والتشدق في الكلام، وهي نزعة ظهرت في نواح كثيرة نرجو أن تعم وتتسع.

أريد من البساطة الصراحة في القول، والطهارة في التفكير، وعدم الإمعان في المظهر، والتصرف في بساطة ويسر، ونظافة الفكر من كراهية الناس، والتعالي عليهم، والسير في الحياة كما هي من غير كلفة ولا رياء ولا تظاهر ولا تعقيد، فقد تكون مائدة نظيفة بسيطة أشهى عند العاقل من مائدة معقدة مركبة، وقد يكون جمال الفتاة في بساطة حليها، وبساطة ملبسها خيرا من حلي مكدسة وثياب مزركشة.

في بساطة العيش راحة النفس، وحفظ الصحة، وحسن التفاهم، والتخفف من الأعباء المالية، وشعور بأن الحياة المادية ليست كل شيء في الحياة حتى يضيع كل الزمن في تعقيداتها وتركيباتها، فهناك حياة روحية سامية جميلة تستحق أن يوفر لها جزء من الزمان، ويخصص لها وقت من التفكير.

الفصل السابع والثلاثون

| في المدرسة

كل شيء في العالم يتقدم ويتغير حسب تطور الأمم ونظمها الاجتماعية وحاجاتها وأغراضها في الحياة، فكما تغيرت مصانع النسيج من مغازل يدوية إلى مصانع ميكانيكية تبعا لتقدم الأمة في الصناعة، كذلك يجب أن تتغير مصانع الأجسام والعقول والأخلاق تبعا لتقدم الزمن وحاجات الأمم، وكذلك كان، فالمدرسة القديمة تطورت تطورات مختلفة، وخدمت أغراضا متنوعة حسب آمال الأمة وظروفها، فالأمة يجب أن تحدد أغراضها التي ترمي إليها، ثم تصوغ مدارسها على وفقها.

لقد كانت التربية في عهد اليونان الأقدمين ترمي إلى خلق جسم قوي معد للحروب وللدفاع عن البلاد وللفتوح، فكانت مدارسهم مصنعا لتأدية هذا الغرض، وتحول غرض التربية في أثينا إلى إيجاد طبقة عقلية تعنى بالفلسفة وفهم الطبيعة وما وراء الطبيعة، فأنشئت المدارس يعلم فيها أفلاطون وأرسطو على هذا النمط لتحقيق هذا الغرض، وجاء عهد الرومان فكان أهم غرض رئيسي لهم التعليم الحربي في فنونه ونظمه وترتيباته، والتعليم البلاغي في تحرير الخطب وفصاحة اللسان، فكانت مدارسهم تعد لهذين الغرضين، وفي العصور الوسطى غمرت الناس الموجة الدينية فصبغت المدرسة هذه الصبغة، وكان كل شيء يعلم لغرض الدين، حتى العلوم اللسانية والعلوم العقلية.

ومن نحو أربعة قرون غمر الناس - وخاصة أوروبا - موجة عقلية، فانطلق العقل يبحث ويفكر، واصطبغت المدرسة هذه الصبغة العقلية تبحث وتفكر وتجرب التجارب في المعامل، وتأبى أن تأخذ شيئا من العلم قضية مسلمة حتى يقوم البرهان على صحتها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٦١