تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقرأت مرة أن أمريكا في سنة 1899، كانت اعتزمت أن تقيم في معرض باريس عمودا من الذهب يساوي ما فيه مائتي ألف جنيه إشارة إلى أنها مملكة الذهب.

ومثل ذلك ما جاء في تاريخ الوزراء للصابي أن المعتضد اجتمع في خزائنه تسعة ملايين من الدنانير فأمل أن يتمها عشرة، ويسبكها سبيكة واحدة، ويضعها في مكان بمرأى من الناس ليسير في الآفاق أن للمعتضد عشرة ملايين دينارا ذهبا هو في غنى عنها، فاخترمته المنية قبل أن يحقق غرضه.

وأمثلة ذلك في الحضارات القديمة والحديثة، وهي في الحديثة آنق وأترف وأعقد، وقد شمل التعقيد والتصنع والتكلف كل مناحي الحياة، وشمل كثيرا من الأوساط بعد أن كان في الحضارات القديمة مقصورا على بعض الملوك والأمراء.

هذا حفل عرس يقام في بيت الأغنياء حتى والأوساط، فتقوم دنياهم وتقعد وترتبك حياتهم وترتبك، ويمر الشهر والشهران والأسرة لا تعرف الراحة، من خطوبة وجهاز، وإعداد حفلة وتنظيمها ونحو ذلك من مشاكل لا عداد لها، ولا ينتهي الزواج حتى تكون الأسرة كلها قد تهدمت أعصابها وماليتها من كثرة ما لاقت من العناء، وما تحملت من أعباء، وما سبب ذلك إلا ما اندفع فيه الناس من تعقيد وتكلف وتصنع.

وهذه مظاهر الحياة كلها معقدة، فالمرأة تقضي نصف عمرها أمام المرآة متصنعة متجملة، وهذه مائدة الأكل يقضى الوقت الطويل في إعدادها وتصفيفها، وهذا الأكل يقضى فيه كل مرة ساعة أو أكثر في وضع صنف، ورفع صنف، وما إلى ذلك.

وهذه الملذات ووسائلها كلها تعقدت وتركبت، فالذهاب إلى التمثيل يكلف كثيرا من العناء في المظهر والملبس والمركب، ويحب كل ذاهب إليه أن يكون هو في نفسه رواية ينظر إليه الناظرون، في ملبسه، ومشيته، ونظراته وما إلى ذلك، وكل ملذة من ملذات الحياة - مشروعة أو غير مشروعة - لا تنال على بساطته وسذاجتها، وإنما تنال على ضروب من التعقيد والتكلف لا نهاية لها.

ومن الغريب أن المتلذذ بهذه الضروب من التكلف لا يلبث أن يعتادها ويألفها على أنها بسيطة ساذجة، فيبحث عن وسائل أخرى لزيادة تعقيدها.

ولو كان تعقيد الملذات يزيد السرور بها لهان الأمر، ولكن الواقع أن تعقيدها يضيع بهجتها، ويقلل الاستمتاع بها، فالعامل البسيط يتلذذ من منظر رواية بسيطة أكثر مما يتلذذ الغني المترف من رواية معقدة، والمرأة الفقيرة تفرح بجلبابها الجديد البسيط أكثر مما تفرح امرأة غنية بفستانها الأنيق الموشى.

هذا فضلا عما يستوجبه هذا التكلف والتعقد من أسباب التعاسة، فكم بيت شقي بسبب امرأة في البيت تتكلف أكثر مما تحتمل ميزانيتها في الملابس وأدوات الزينة، وكم أسرة شقيت؛ لأن رجلا يحتفل بسكره أو قماره أكثر مما يحتفل بضرورات بيته، وكثير من البيوت بائسة؛ لأن حاجة المعيشة تعقدت وتركبت فأصبحت ميزانياتها لا تكفي لضروراتها، وكثيرا ما تضطر تكاليف الحياة وتعقدها أن يسلك الناس سبلا غير شريفة في الحصول على المال الذي تتطلبه تعقدات الحياة، ومن استطاع أن يحتفظ بشرفه عاش في قلق وهم من المطالب الكثيرة التي تحيط به، والتي يستطيع أن يحتملها في نفسه ولكنه لا يحتملها في أهله وولده.

وضروب المعاملة والسلوك يسودها التصنع والتكلف ومظاهر الرياء، في الوظيفة، وفي المصالح الحكومية، وفي المحال التجارية، وفي الحفلات والولائم والأفراح والمآتم، ولا شيء من البساطة ولا شيء من الرجوع للفطرة.

وحتى الآداب والفنون دخلتها الحضارة فعقدتها، وملأتها زينة وصناعة ومحسنات لفظية ومحسنات معنوية، واستعارة ومجازا، وتكلفا في التعبير لا يجري مع الطبيعة، والروائي لا يكون روائيا حقا حتى يغرب، والممثل لا يكون ممثلا حقا حتى يتصنع ويتكلف البكاء والضحك، والصياح وإلواء اللسان والتشدق في الأداء.

والناس في مخاطبتهم لا يسلكون أقرب طريق للفهم والأفهام ولا أصدق عبارة وأبسطها للتعبير عما في النفس، حتى ليصعب علينا في كثير من الأحيان معرفة الحق في الموضوع، لما تمتزج به الحقيقة من شكوك وغموض وإيهام وتصنع وتزويق، مع أن البساطة في التعبير هي خير وسيلة للإقناع والإفهام، ورب كلمة صريحة صادقة بسيطة فعلت ما لا تفعل الخطب المزوقة، والأحاديث المنمقة، وخير الأدب ما مال إلى البساطة، وخير التمثيل ما جرى على الطبع، وخير الفن ما عبر عن النفس في بساطة ويسر.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٦٠