تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه أمثلة قليلة جدا من رحلات المسلمين في أيامهم الأولى، أيام عزهم ومجدهم وقوتهم، سافروا للدين، وسافروا للدنيا، وسافروا للعلم.

وفي عصورنا الحديثة من الأمثلة الرائعة حقا ما فعله السوريون؛ إذ هاجروا إلى الولايات المتحدة فنجحوا في الأعمال الاقتصادية؛ بل وكونوا لهم أدبا عربيا ممتازا.

أفبعد هذا يصح أن نرى هذه الظاهرة العجيبة في كثير من الأمم الشرقية، ظاهرة الخمول والالتصاق بالأرض، وعدم الرغبة في الرحلات والأسفار بعد أن سهلت وسائلها، ومهدت طرقها، وبعد أن ضاق العيش على كثير من أممها في أرضها؟ أليس من العجيب حقا أن يكون كل «موظف» خارج القاهرة يملأ الجو بكاء وعويلا لينقل إلى القاهرة، ويحتال بكل الوسائل، ويسعى كل السعي، ويستعمل كل أنواع الرجاء ليسكن في القاهرة، كأن الأقاليم الأخرى ليس لها حظ من الموظفين، وليس لها حق في أن تدار شئونها؟ وهؤلاء الفلاحون مكدسون في بقعة من الأرض راضون بإقامتهم مع البؤس والفقر، فإذا عرضت عليهم أن يرحلوا إلى غيرها - حيث الأرض واسعة، وميدان العمل متسع، والأمل منفتح - وجدت إعراضا وتفضيلا للإقامة مع الفقر على الرحيل مع احتمال الغنى، وترى الشباب المتعلم يتخرج اليوم من مدرسة أو جامعة، وهو يتطلب وظيفة ويتطلب معها أن يكون في القاهرة وإلا رفض الوظيفة، وتجد الأم تبكي، والأب يبكي، إذا أرسل ابنه إلى بعثة أو عين في وظيفة بعيدا عنهما بساعات، وتسوء حالة الآباء والأبناء من لوعة الفراق، وتعرض وظيفة في الشام أو العراق بضعف المرتب فيرفضها الكثيرون ويرضاها الأقلون؟ إن الأمم التي تطلب عزها، وتسعى لرفعة شأنها لا بد أن يتحمل أفرادها الجلد والصبر والشجاعة وركوب الأخطار في الأسفار، ولا أخطار اليوم ولا صعاب كأمس يوم كان آباؤنا ينتقلون على الحمير والبغال والجمال، ويقطعون المسافة القصيرة في الأزمنة الطويلة والطرق غير مأمونة والسبل غير ممهدة.

الفصل السادس والثلاثون

| بساطة العيش

تعجبني الحياة البسيطة لا تعقيد فيها ولا تركيب، وأكره ما أكره التكلف والتصنع وتعقيد الحياة وتركيبها.

ويظهر أن المدنية والحضارة تميل دائما إلى تعقيد الحياة وتركيبها، وكلما قرأت في الحضارات المخلتفة - رومانية أو إسلامية أو أوروبية حديثة - وجدتها جميعا تتشابه في الميل إلى التعقيد والتركيب ، والإسراف في البذخ والترف والرفاهية، ففي الحضارة الإسلامية - مثلا - قرأت أن الوزير ابن الفرات تناهى في الترف حتى ما كان يأكل إلا بملاعق البلور، وما كان يأكل بالملعقة إلا لقمة واحدة، فكان يوضع له على المائدة أكثر من ثلاثين ملعقة، وذكروا عن المأمون أن مائدته كانت تبلغ في بعض الأحيان ثلاث مئة لون، وكان راتب أبي طاهر وزير عز الدولة من الثلج في كل يوم ألف رطل، ومن الشمع في كل شهر ألف من، وغضب المأمون على جارية له، فأرسلت إليه تفاحة من العنبر مكتوبا عليها بالذهب «يا سيدي تبت»، وكانت أم الخليفة المقتدر تعمل نعالها من ثياب تسمى الثياب الديبقية، تقطع على قدر النعال، وتطلى بالمسك والعنبر المذاب، ويجعل بين كل طبقتين من الثياب مسك وعنبر مجمدان، وكان لا يمكث النعل في رجلها إلا أياما ثم ترميه للخدم، وكان النساء المترفات يشترين جلود الثعالب تحضره التجار من سيبريا، يبطن به ثيابهن في الشتاء، وقد ذكر المسعودي أن إبراهيم بن المهدي استزار الرشيد يوما، فقدم له على المائدة - فيما قدمه له - طبقا فيه قطع من سمك، فقال له الرشيد: لم صغر طباخك قطع السمك، قال له: يا أمير المؤمنين هذه ألسنة سمك، فاستحلفه الرشيد أن يخبره عن ثمن هذه الألسنة، فقال له أكثر من ألف درهم، فرفع الرشيد يده، وأبى أن يأكل منها.

ويشبه هذا ما قرأته مرة أن أحد اللوردات من كبار الأغنياء عمل وليمة لبعض الكبراء، فقدم فيها طبقا فيه ألسنة بعض الطيور النادرة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٥٩