تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أسس المسلمون في أيام عزهم مراكز تجارية هامة يحضر إليها التجار بسلعهم وأموالهم من مختلف الأقطار، وبها المخازن والفنادق والسماسرة والوكلاء يبيعون ويشترون ويصدرون إلى مختلف الأقطار، وكان هناك صيارفة المال ولهم وكلاء يصرفون الصكوك ويحررون الحوالات لوكلائهم في الأقطار الأخرى، وكان من أهم تلك المراكز «جاوه» وكانت مركزا هاما للبضائع الصينية، و«عدن» و«كازرون» و«العريش».

وقد ذهبوا إلى بلاد روسيا فبلغوا «كوتابه»، وذهبوا إلى أقصى السودان فوصلوا «كوكوا»، وذهبوا إلى التتر لجلب السمور، ووصلوا إلى «خانقوا» وهي التي تسمى الآن «كانتون».

وفي كل هذه البلاد كانوا حيثما نزلوا يتعلمون لغة أهلها وعاداتهم وينشرون فيها لغتهم ودينهم، ويمتزجون بأهلها بالمزاوجة، فلا يمر جيل أو جيلان إلا ويندمجون في الشعوب التي يرحلون إليها.

وقد حكى لنا المسعودي في تاريخه قصصا كثيرة عن هؤلاء الرحالة كابن وهبان الذي كان غنيا كبيرا وتاجرا عظيما، وكان من أهل البصرة، فرحل إلى سيراف، ثم رحل منها إلى الهند بتجارته، إلى أن انتهى إلى بلاد الصين، ورحل إلى بلد الملك وأعمل الحيلة حتى قابله، وأعظمه ملك الصين، وأمر أن تعد له دار من دياره ينزل فيها، وأن تقضى له حوائجه، ثم عاد بعد إلى البصرة بعد أن نجح في تجارته وحدث أهلها بما رأى وما عرف، وحث قومه على الرحلات وتنظيم التجارات.

وكانت رحلاتهم البحرية لا تقل روعة عن رحلاتهم البرية، فأنشئوا المراكب الكبيرة للملاحة في البحر الأبيض والأحمر والمحيط الهندي، حتى وصف بعضهم سفينة كانت تحمل بضعة آلاف راكب وفيها حوانيت للبيع، مع أنها كانت مراكب شراعية، وكانوا أحيانا يستحضرون خشب السفن من البندقية وفيها غواصون لسد الثقوب إن حدثت، وبعض السفن كان يحمل حمام الزاجل ترسل معه الأخبار إلى البلاد، وكانت مراكب المسلمين تقطع البحر الأبيض عرضا في ستة وثلاثين يوما.

وقال المسعودي: «وقد ركبت عدة من البحار كبحر الصين والروم والقلزم واليمن، وأصابني فيها من الأهوال ما لا أحصيه كثرة، فلم أجد أهول من بحر الزنج.»، وكانت أقصى ما تصل إليه المراكب في هذا البحر موزنبيق.

أقام المسلمون بهذه الرحلات والمراكب شراعية تعتمد على الريح، وليس لهم آلات دقيقة لتحديد الجهات، وكانوا يقطعون المسافة من البصرة إلى الصين في شهور طويلة مع احتمال العطب، ومع ذلك لا ينقطعون عن السفر، ولا تعوقهم الشدائد طلبا للرزق أو المجد.

وهناك أمثلة أخرى للهجرة للعلم كالذي ذكره الإدريسي «أنه في القرن الرابع الهجري خرج جماعة من مدينة لشبونة كلهم أبناء عم، وأنشئوا مركبا وتزودوا فيه، ثم ركبوا بحر الظلمات واقتحموه ليعرفوا ما فيه من الأخبار والعجائب، وليعرفوا إلى أين انتهاؤه، وهم يسمون المغررين.».

ومثل العالم الكبير أبي الريحان البيروني، أصله من خوارزم، ولكن أهل بلده كانوا يسمونه الغريب لطول غربته وكثرة أسفاره، كان ذا عقل علمي جبار في الرياضيات والفلك، رحل إلى الهند بعد أن مهر فيما خلفه اليونان من رياضة وهندسة وهيئة، فأكب على ما عند الهند من ذلك ووعاه ونقده، وقارن بين ما للهند وما لليونان، وأبان عيوب هؤلاء وهؤلاء، كما درس حالة الهند الاجتماعية وألف في ذلك الكتب الكثيرة، فألف في الجواهر كتابا اسمه «الجماهر في الجواهر»، وألف كتاب «تاريخ الهند»، وكتاب «ما للهند من مقولة، مقبولة في العقل أو مرذولة»، وألف في الفلك كتاب «التفهيم في صناعة التنجيم».

وهؤلاء المحدثون، طافوا الممالك الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها يتقصون ما ورد من الأحاديث، ويجمعون ما تفرق في البلاد، ويأخذون عن شيوخ الأقاليم، ويتفهمون معاني الأحاديث وفقهها، ويفخر المفتخر منهم بأنه رحل من مصر إلى الشام إلى الحجاز إلى العراق إلى خراسان في طلب العلم.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٥٨