وكان جمال الدين يهزأ بمبدأ «دارون» الذي يعنون «بتنازع البقاء»، ويقول: إن المبدأ هو «تنازع الفناء»، ويقول: إن البقاء الذي ينبغي أن يطلب ولا يعتريه فناء ليس فيه تنازع ولا نزاع، والتنازع القائم الآن إنما هو على أشياء تفنى، والمنتزع والمنازع والمنزوع منه سواء في المصير إلى الفناء، فكان الأولى أن يقال: «تنازع الفناء».
قيل له: وهل يجمع العالم المتمدن كله على مثل هذا الخطأ؟
فقال: وما العالم المتمدن؟ هل رأينا غير مدن كبيرة وأبنية شامخة وقصور مزخرفة ينسج فيها القطن والحرير بأصباغ كيمياوية مختلفة ألوانها، ومعادن ومناجم، واحتكار تجارات أتت لهم بثروات، ثم هل غير التفنن في اختراع المدافع المريعة والمدمرات والقذائف وباقي المخربات القاتلات للإنسان، تتبارى فيها تلك الأمم الراقية المتمدنة اليوم؟
لو جمعنا كل تلك المكتسبات العلمية، وما في مدنيات تلك الأمم من خير، وضاعفناه أضعافا مضاعفة ووضعناه في كفة ميزان، ووضعنا في الأخرى الحروب وويلاتها، لكانت كفة العلوم والمدنية والتمدن هي التي تنحط وتغور، فالرقي والعلم والتمدن على ذلك النحو إن هو إلا جهل محض، وهمجية صرفة، وغاية التوحش، فالإنسان في ذلك أحط من الحيوان.
هل سمعت أن ثلاث مئة ألف أفعى وقفت تجاهها مثلها وتقلبت بينها الأنياب وقاتل بعضها بعضا؟ أو هل وقفت الأسود صفوفا وتناهشت لحوم بعضها وسالت دماؤها؟ فليس ثمة مدنية ولا علم، ولكن جهل وتوحش. •••
ثم روى للسيد جمال الدين كلمات كان يقولها في مناسباتها.
كان إذا أقسم قال: «وعزة الحق وسر العدل» - الحقائق لا تزول بالأوهام - من سفه الرأي أن يعتقد الرجل أفضليته على الغير بالعمر والمشيب فقط - الفخر بالقول المجرد يبطله المجد بالفعل - لا يؤمن بربوبية القوة إلا شبح الضعف - الأكفاء في العصر لا يكونون على الغالب أصدقاء - تطويل المقدمات دليل على سقم النتائج - من رهب الملوك لغير جريرة فهو الصعلوك - صاحب الحاجة إذا لم ينطق بحاجته أولى بالخرس - ألف قول لا يساوي في الميزان عملا واحدا - إسراف الإنسان بصحته أضر من إسرافه بثروته - بالضغط والتضييق تلتحم الأجزاء المبعثرة - القبة الجوفاء لا ترجع إلا الصدى - شر الأزمنة أن يتبجح الجاهل ويسكت العاقل - الأديب في الشرق يموت حيا ويحيا ميتا - قيد الأغلال أهون من قيد العقول بالأوهام - القوي من الشجر لا يعجل بالثمر - (اللغة) العربية وسعها البدو في البراري والقفار، وضيقها الحضر في المدن والأمصار - العلم قد يكون في الأحداث ولكن التجارب لا تكون إلا في الشيوخ.
الفصل الخامس والثلاثون
| حب الهجرة
من أخلاق الأمم القوية «حب الهجرة» فالأمة التي تعتز بقوتها وتشعر بعظمتها، يحب أفرادها أن يسيحوا في الأرض، إما لنشر دينهم وعقيدتهم، وإما لإعلاء شأن وطنهم، وإما لطلب الرزق إذا ضاق في بلدهم، وإما ليزدادوا علما بأحوال البلاد الأخرى، فيفيدوا العالم ببحوثهم واستكشافهم، وإما ليستزيدوا من مناظر الطبيعة وجمالها فيغذوا بذلك ملكاتهم الفنية من شعر وقصص وتصوير وما إلى ذلك من أغراض.
أما الأمم الضعيفة المغلوبة على أمرها فتألف مكانها، ولا تحب أن تفارق عشها مهما برح بها الفقر، ومهما ساءت معيشتها، فأهلها يفضلون أن يموتوا في بلادهم أذلة فقراء، على أن يموتوا خارجها أعزة أغنياء.
أمامي الآن صفحة رائعة من صفحات المسلمين أيام نهضتهم كيف رحلوا وكيف تنقلوا في البلاد المختلفة ينشرون دينا أو يطلبون علما أو يكافحون في التجارة، ويلقون في ذلك الصعاب من غير ملل ولا ضجر.
وكانت الحكومات الإسلامية تتعاون على تنظيم هذه الرحلات فتنشئ الرباطات في كثير من المراحل، وفي مختلف الطرق، وفيها يجد المسافر ما يحتاج إليه، والرباط في أصل وضعه نقطة «عسكرية» كبيرة لحفظ الحدود أن يتسرب إليها جند الأعداء أو جواسيسهم، فأضافوا له غرضا آخر، وهو معونة المسافرين والراحلين، وتزويدهم بما يحتاجون إليه، ولما اشتدت الرغبة في الرحيل قام قوم من علماء الرحالين يؤلفون كتب الدليل، وفيها كل ما يحتاج إليه المسافر من تبيين المسافات بين البلاد وأخلاق أهلها وعاداتهم واعتقاداتهم وخير ما عندهم من أنواع السلع، والمتاجر والمصنوعات، والحاصلات الزراعية، والمكاييل والمقاييس والأوزان، وما فيها من ثغور بحرية ونهرية، وأسماء المشهورين من الناس في كل قطر، وبين أيدينا الآن كتب كثيرة من هذا القبيل ككتاب «أحسن التقاسيم في معرفة أحوال الأقاليم» للبشاري الشهير بالمقدسي؛ ويقول : إنه سافر كثيرا في البحار فقطع ألفي فرسخ، وإنه سافر إلى الصين وسرنديب وركب بحر الأندلس، غير ما جابه من البلدان الإسلامية برا، وكذلك «كتاب المسالك والممالك» للإصطخري، و«المسالك والممالك» للبكري، و«المسالك والممالك» لابن خرداذبه، و«كتاب البلدان» لابن الفقيه، وغيرها وغيرها، وكلها أدلة للمسافرين.