وكتب يوما كلمة بعنوان «سياسة بقروتية في مملكة فرعونية»، فاعترض عليه في كلمة بقروتية، فقال: كيف صح لهم أن يقولوا «ملكوت» و«جبروت» ولا يصح لي أن أقول «بقروت»؟ ونظير هذا قوله: لا يصح للسماعي والقياسي أن يمنع أحدهما الآخر، فإذا جاز بالسماعي «أن ينحرف» جاز بالقياسي «أن ينعوج». (3)
ولما جاء مصر أعجبه برنامج الماسونية من دعوة إلى «الحرية والإخاء والمساواة» فانضم إليها، وعرض عليهم في المحفل يوما إعانة لأحد الإخوان، فسأل «الأستاذ»: هل الأخ مريض؟ قالوا: لا، قال: هل هو صحيح البنية؟ قالوا: نعم، فقال: «صحة البدن وذل السؤال لا يصح أن يجتمعا لإنسان.».
وحضر مرة اجتماعا فيها، فقال أحد الخطباء: «إن الماسونية لا دخل لها في السياسة.»؛ فعجب جمال الدين كل العجب من أن الجمعية التي برنامجها «الحرية والإخاء والمساواة» لا ترفع صوتها لرد الحرية إلى مسلوبها، وانفصل من الجمعية وكون محفلا وحده. (4)
ولما أخرج من مصر ذهب بعض محبيه إلى السويس يحملون له مقدارا من المال، عرضوه عليه وسألوه أن يقبله قرضا، فقال لهم: «أنتم إلى هذا المال أحوج، والليث لا يعدم فريسته حيثما ذهب.». (5)
ولما استدعاه السلطان عبد الحميد إلى الآستانة سنة 1892 ووصل إليها، كان في انتظاره الياور السلطاني، فسأله: أين صناديقك يا حضرة السيد؟ فقال: ليس معي غير صناديق الثياب وصناديق الكتب، قال الياور: حسنا! دلني عليها، فقال السيد: صناديق الكتب هنا (وأشار إلى صدره)، وصناديق الثياب هنا (وأشار إلى جبته).
وقد قال: «كنت أول عهدي أستصحب جبة ثانية وسراويل، ولكن لما توالى النفي صرت أستثقل الجبة الثانية، فأترك التي علي إلى أن تخلق فأستبدلها بغيرها.». (6)
وكان يجالس السلطان عبد الحميد كثيرا، فسئل عن رأيه فيه، فقال: «إن السلطان عبد الحميد لو وزن مع أربعة من نوابغ رجال العصر لرجحهم: ذكاء ودهاء وسياسة، خصوصا في تسخير جليسه ... ولا عجب إذا رأيناه يذلل ما يقام لملكه من الصعاب من دول الغرب، ويخرج المناوئ له من حضرته راضيا عنه وعن سيره وسيرته، مقتنعا بحجته، سواء في ذلك الملك والأمير والوزير والسفير؛ ولكن يا للأسف عيب الكبير كبير، والجبن من أكبر عيوبه.». (7)
وعرض عليه السلطان عبد الحميد منصب مشيخة الإسلام، فأبى إلا أن يعمل عمل أساسي يتغير به النظام الحاضر، وقال: «إن وظيفة العالم ليست بمنصب ذي راتب، بل بصحيح الإرشاد والتعليم، ورتبته ما يحسن من العلوم مع حسن العمل بالعلم.». (8)
وعاش جمال الدين عزبا لم يقترن في حياته بامرأة، وكان كلما شكا له أحد كثرة العيال وقلة ذات اليد يعينه على قدر استطاعته، فعرض عليه السلطان يوما أن يزوجه جارية حسناء من قصر يلدز، فامتنع السيد من ذلك، فسئل: هل تؤيد رأي أبي العلاء:
هذا جناه أبي عل
ي وما جنيت على أحد
قال: «كلا، كيف يصح لعاقل أن يعتبر الزواج جناية وبه بقاء النوع واستكمال حكمة العمران؟ أما أنا فمعرفتي بما تتطلبه الحكمة الزوجية من معاني العدل، وعجزي عن القيام بأمره دفعني أن أتقي عدم العدل ببقائي عزبا.».
فقال له طبيب يهودي كان من خاصته: فهل تفاديا من الخوف من عدم العدل يجوز أن يخالف الإنسان طبيعته؟ فتبسم السيد وقال له: «إن الطبيعة أحكم منك، فهي تدبر نفسها، ومن ترك شيئا عاش بدونه.».
قيل له: إنك تقبل من السلطان عطاءه من المال، فلم لا تقبل عطاءه من الجواري الحسان؟
قال: أما المال الذي يعطينيه فإني أجد له - على قدر اجتهادي - أكفاء يقومون بأداء الواجب نحوه، وأما الزواج بالجارية الحسناء فما أنا بالكفء لها، ولست بوليها لأتحرى لها كفؤها. (9)
وكان السيد جمال الدين كثير الإعجاب بذكاء الشيخ محمد عبده وفضله، وكان كلما ذكره يقول: «صديقي الشيخ»، وكان السيد عبد الله نديم في آخر أيامه يكثر من التردد على منزل جمال الدين، فقال له يوما قد أكثرت من الثناء على الشيخ محمد عبده كأنه لم يكن لك صديق غيره، وتنعت غيره بقولك: صاحبنا، أو «فلان من معارفنا»، فتبسم السيد جمال الدين وقال: «وأنت يا عبد الله صديقي؛ ولكن الفرق بينك وبين الشيخ أنه كان صديقي على الضراء، وأنت صديقي على السراء.» فسكت النديم. (10)