ثم إلى جانب الجندية وجهوا التربية في الأسر وفي المدارس نحو تفهيم هذا الأدب الاجتماعي، حتى أشعروا كل فرد أنه جزء من كل، ففي الأسرة علموا الأبناء أن يعيشوا في البيت عيشة اجتماعية، كل فرد يشعر أن خير الأسرة كلها خيره وشرها شره، وأن ميزانية البيت ليست لأحد وإنما هي لكل أحد، لا يتمتع بها واحد أكثر من غيره، وأن الفرد الناجح في الأسرة يصيب نجاحه الأسرة كلها، وفشل فرد منها يصيب الأسرة كلها؛ وفي المدرسة رسموا الخطط المتعددة لتعويد الأطفال أن يعملوا في شكل جمعيات، هذه جمعية للعب، وهذه للأشغال، وهذه للكشافة، وهذه للفنون، وهذه للعلوم، وهكذا، ونظموا هذه الجمعيات تنظيما دقيقا، وقووا الروح التي تسيطر على كل فرد حتى يندمج في جمعية يشعر بشعورها، ويعتز بعزتها، ويهون بهوانها.
فلما خرجوا من البيت على هذا النظام، ومن المدرسة على هذا النظام، ومن الجندية على هذا النظام، خرجوا إلى الحياة العامة وهم متشبعون بهذا الروح؛ فنجحت نقاباتهم، وأنديته، وأحزابهم، وجمعياتهم؛ لأنهم نشئوا عليها من صغرهم، وربوا تربية اجتماعية من طفولتهم، وأصبحت «نحن» بجانب «أنا» تماما لا تفارقها ولا تتخلف عنها.
ثم إن معيشتهم في وسط الآلات والمصانع علمتهم أن كل فرد كجزء من الآلة إذا تعطل ترس تعطلت الآلة كلها، ولا يمكن لآلة أن تنجح إلا إذا أدى كل جزء ما عليه، متعاونا مع باقي الأجزاء، فأوحى هذا كله إلى نفوسهم العمل الإجماعي والأدب الاجتماعي.
أما بعد؛ فإن أخلاقنا الفردية لها مزاياها وعيوبها ككل أمة أخرى، إنما الآداب الاجتماعية هي أهم ما ينقصنا، وهي وحدها - مع الأسف - عنوان الأمة ومظهرها أمام من يحكم لها أو عليها؛ فهم لا يحكمون علينا بأخلاقنا الشخصية، بمقدار ما يحكمون علينا بمظهرنا في الشارع وفي المجتمعات، إنهم يرون البائس الفقير جدا بجانب الغني جدا، فيعلمون أن الغني قد فقد الخلق الاجتماعي، وهم يرون نوادينا وجمعياتنا فيحكمون منها على مقدار رقينا، إن الأمر في نظري لا يحتاج إلا إلى تكوين جيل واحد يبذل فيه الزعماء والقادرون كل قوتهم لتكوين هذا الأدب الاجتماعي والخلق الاجتماعي في نفوس الناشئين، وأخذهم بالحزم والقوة حتى يتعودوه، وأنا ضامن أن الأجيال المقبلة تسير بعد على هذا النظام من نفسها.
الفصل الرابع والثلاثون
| جمال الدين الأفغاني
يعجبني أحيانا طريقة القدماء في ترجمة العظماء، فيختفي المترجم ويظهر المترجم، ويكتفي بذكر الأحداث التي حدثت للعظيم وتصرفه فيها، والكلمات التي فاه بها، ونحو ذلك؛ ويترك القارئ يفهم منها ما شاء، ويستنتج منها ما شاء، ويقوم ما شاء؛ لا يملي شرحه وتفسيره، ولا يفرض على القارئ فهمه ولا يتحكم هو في رسم الصورة التي يراها؛ وذلك ما فعل الأصفهاني في الأغاني، وياقوت في معجم الأدباء، وابن خلكان في وفيات الأعيان، وغيرهم من مؤرخي العرب.
وقد قرأت في هذه الأيام ترجمة للسيد جمال الدين من هذا القبيل، اكتفى فيها المترجم - غالبا - بنقل آراء الأستاذ وأقواله وأحداثه؛ وجعل ذلك كله يصوره كما يشاء القارئ
1 ؛ وقد استوقف نظري بعض أحداث وأقوال أرويها كذلك من غير تعليق: (1)
قال له «المخزومي» يوما: إن بعض الأصدقاء يرغبون في الحصول على ترجمة الأستاذ، فقال له: «قل لهم: إن العيان لا يحتاج إلى ترجمان، قل لهم ما قال فلان عني (وفلان هذا عدو من أعدائه) إنه متشرد أو أفاق، وأي نفع لمن يذكر أنني ولدت سنة 1254 وعمرت أكثر من نصف قرن، واضطررت لترك بلادي، وأكرهت على مبارحة الهند، وأجبرت على الابتعاد عن مصر؟». (2)
ولما جمع المخزومي هذه الوقائع استشار الأستاذ في اسمها، فقال: سمها «خاطرات»؛ فقال المخزومي: إن بعض الأصدقاء نبهني إلى أن هذه اللفظة غير صحيحة في اللغة، والأقرب للصواب أن نسميها «خطرات» أو «خواطر»، فقال: قل «خاطرات» ولا تبال بمن فسد لسانهم ولا يصلحون إلا للأجوف والمهموز، ولا يحسنون جملة تنقر حبة القلب أو تطرب السمع.