هذا ضرب من أهم ضروب الأدب الاجتماعي وهو الشعور بحق الغير، ومنفعة الغير، ومراعاة شعور الغير، وهو معنى نحن في أشد الحاجة إليه اليوم.
لو نما هذا الشعور لوجدت لدينا آلاف الجمعيات الناجحة للخدمة العامة، هذه تمد البائس الفقير، وهذه تربي الأطفال المشردين، وهذه تساعد المرضى، وهذه تثقف عقول الجاهلين، وهذه تعين الطلبة العاجزين عن المصروفات الدراسية، وهذه لإسعاف المنكوبين، ولو نما هذا الشعور لرأيت كل فرد قادر يزكي عن قدرته العلمية أو المالية أو الخلقية بشيء من مقدرته لخدمة الهيئة الاجتماعية، إجابة لشعوره بواجبه لأمته.
ومن مظاهر ضعف هذا الأدب الاجتماعي فوضى المجتمعات عندنا، سواء كان الاجتماع لمحاضرة علمية أو أدبية، أو حفلة غنائية أو موسيقية، أو مشاهدة سينما أو رواية تمثيلية؛ يفهم كل فرد أن المحاضرة له وحده، أو السينما أو التمثيل له وحده، ولا يفهم مطلقا أن هذه المحاضرة أو هذه الحفلة له وللناس، فتراه يتكلم مع جاره بصوت عال ولو تأذى الجمهور، ويضحك ويهوش ولو تضايق من حوله، ولو كان عنده شعور اجتماعي بأن له ما للآخرين وعليه ما عليهم ما أتى بشيء من هذا، ولراعى شعورهم كما يحب أن يراعى شعوره، ولفهم أن الحرية التي يتشدق بها ليست أن يفعل ما يشاء بغير قيد ولا شرط، بل الحرية الممنوحة له مقيدة بقيود أولها ألا يؤذي غيره، وأن يكون له منها مثل ما لغيره.
مظاهر هذه الفوضى نراها في كل شيء: في هذه المجتمعات التي ذكرناها، وفي الشوارع، فكل سائر يعتقد أن الشارع ملكه وحده، يرمي فيه بالأوراق التي يستغني عنها كما يشاء، ويسير في أي جانب كما شاء، وتراه عند شباك «التذاكر»، فكل يعتقد أن له الحق وحده أن يأخذ أول تذكرة ولو جاء آخر رجل، وأن الأمر أمر مزاحمة وقوة جسم، ولباقة حركة، ولا عبرة بالسبق، ولا بأي اعتبار آخر.
إن الحرب الحاضرة كشفت لنا عن نقص شنيع في هذا النوع من الأدب الاجتماعي، فمشكلة الدقيق، ومشكلة السكر، ومشكلة الأرز، وغيرها من مشاكل التموين ناتجة عن نقص الأدب الاجتماعي أكثر منها نتيجة لنقص المواد الغذائية، فكم من الناس لا ينظرون إلا إلى أنفسهم فيخزنون ما قدروا عليه من غير مراعاة لغيرهم من المحتاجين، وكم من التجار الجشعين الذين ينتهزون الفرصة ليربحوا ربحا غير معقول ولو هلك الجمهور؛ ولو كان في الأمة أدب اجتماعي راق لخفف كل هذه المصائب، ولا يمكن لأية حكومة ولا أية سلطة أن تنجح في حل هذه المشاكل نجاحا تاما ما لم يسعفها الأدب الاجتماعي، وما لم يشعر الفرد بنحن بجانب شعوره بأنا، وما لم يفهم أن له حظا من الخير بجانب حظوظ الناس، وأنه يجب أن يتحمل شيئا من المتاعب كما يتحمل الناس.
حتى الأمور التافهة الصغيرة التي تصل بالأدب الاجتماعي لا تؤدى كما ينبغي فهذا يرسل إليك خطابا فلا ترد عليه، وهذا يهدي إليك كتابا فتتهاون في شكره، وهذا يسدي إليك معروفا فلا ينال منك كلمة ثناء عليه وتقدير لعمله كأن كل الناس مسخرون لخدمتك وحدك، كما يسخر العبيد للسيد من غير حاجة إلى كلمة شكر.
وقد مرت الأمم الأخرى بمثل حالتنا التي نحن عليها الآن، ولكن عالجتها بأمور كثيرة - فأولا - عالجتها بنظام الجندية، فكل فرد لا بد أن يمر بالجندية زمنا ما، وفي هذا الزمن يتعود الرجولة والنظام، ويتعلم درسا هاما في الأدب الاجتماعي، وهو أنه لا يعيش وحده، وأنه جزء صغير من جيش كبير، وأن عليه عبئا يجب أن يحمله هو ولا يحمله سواه، وأن شخصه جزء من فرقته، خيرها خيره وشرها شره، وأنه يتحرك بحركتها ويسكن بسكونها، وأن عليه واجبات وله حقوقا؛ وهكذا يتعلم الروح الاجتماعية التي تلازمه إذا خرج من الجندية، وقد شاهدت هذا المعنى في طلبة من الجامعة جندوا فتغيرت روحهم وأصبحوا أطوع للنظام وأكثر تقديرا للحقوق والواجبات، وأشد شعورا بمسئوليتهم نحو أمتهم.