ما أهم سبب لمتاعبك؟ كيف تعالجه؟ كيف تقسم زمنك، كم منه للنوم؟ وكم للعمل العقلي أو القراءة؟ وكم لعملك المعتاد؟ وكم للعبك وراحتك؟
فهذه الأسئلة ونحوها إذا أنت أجبت عنها في أمانة وإخلاص تعرفت نفسك وتعرفت مخاوفك، وتعرفت كيف تسلط إرادتك على أسباب الخوف فتمحوها.
وأخيرا ردد على نفسك «لا تخف» وردد قوله تعالى:
قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا .
الفصل الثالث والثلاثون
| الأدب الاجتماعي
أعني به الأدب الذي يجب أن يتأدب به الفرد من حيث هو عضو في مجتمع، وعضو في أمة، فكل إنسان له شخصيتان: شخصية فردية، وعليه إزاءها واجبات فردية، وشخصية اجتماعية، وعليه إزاءها واجبات اجتماعية.
والإنسان تتوزعه عاطفتان: عاطفة حب ذاته، وعاطفة حب أمته، والشخص البدائي هو الذي ينظر إلى كل الأمور مراعيا شخصه فقط، والشخص الراقي هو الذي ينظر إلى ذاته وإلى أمته، ويعطي هذه حقوقها وهذه حقوقها؛ بل هو إذا ارتقى جدا رأى خيره في خير أمته، وخير أمته في خيره، وتوحد الأمران.
هذا الشعور بالواجبات الاجتماعية لا يخلق مع الإنسان يوم أن يولد، ولكن المجتمع الذي يعيش فيه هو الذي يكونه ويربي عنده شعوره بالأمة بجانب شعوره بذاته، وذلك بواسطة التربية في الأسرة وفي المدرسة وفي الحياة الخارجية في المجتمعات، هنالك روح للمجتمع هي التي تسيطر على الفرد فتعلمه أن يحد من أنانيته وألا يقيس الأمور كلها بشخصه، وهي التي تعلمه النظام والترتيب، وهي التي تمده بالقوة ليكبح جماح حبه الشديد لنفسه، وهي التي تمده بالمعاني السامية ليشعر بأمته ويغار عليها ويعمل لخيرها.
فإذا كانت روح الأمة قوية استطاعت أن تطبع الأفراد بطابع قوي لخدمتها والتفكير فيها والعمل لخيرها، وإذا كانت روح الأمة ضعيفة قويت روح الأنانية في الأفراد ولم يفكروا إلا في أشخاصهم.
والحق أننا ينقصنا كثير من قوة الروح الاجتماعية من حيث أننا إمة، وهذا من أهم الفروق بين أمم الشرق وأمم الغرب، فلكل من الشرق والغرب مزاياه وعيوبه، ومن أظهر عيوبنا ضعف الشعور الاجتماعي، ضعف الشعور «بنحن» وقوة الشعور «بأنا».
من مظاهر ذلك عدم نجاحنا في الأعمال الاجتماعية - غالبا - كاللجان والنوادي والجمعيات والأحزاب والنقابات ونحو ذلك؛ وسببه أن هذه مجتمعات لا يمكن أن تنجح إلا إذا توارى إلى حد كبير الشعور بأنا، وظهر إلى حد كبير الشعور بنحن.
وأساس فشل هذه الجمعيات عدم تربيتنا تربية اجتماعية يتناسى فيها الفرد ذاته وأنانيته، ولهذا إذا نجح عمل اجتماعي عندنا فلأنه تحول من عمل اجتماعي وعمل مجتمع إلى عمل فرد قوي الشخصية قوي الإرادة تجمعت فيه كل الشخصيات، أو فرد نشيط كفء يعمل كل العمل والأفراد الآخرون يتكلون عليه، وبذلك يخرج عن كونه عمل جمعية في الحقيقة إلى عمل فرد مظهره مظهر جمعية.
فنحن إلى الآن لم نتعلم عمل الجمعيات، حيث توزع الواجبات على أفراد الجمعية وتنظم الأعمال، ويعرف كل عضو ما له وما عليه ويقوم به، وتلتقي هذه الأعمال كلها في شكل متضامن منظم.
لا علاج لهذا إلا التربية التي تشعر الفرد بمسئوليته نحو مجتمعه.
يدل على هذا المعنى قصة سمعتها عن المرحوم الشيخ محمد عبده، فقد سافر مرة إلى أوروبا، ومع صديق له، صعد هذا الصديق مرة إلى ظهر السفينة فوجد الشيخ محمد عبده يبكي فعجب من ذلك وسأله عما يبكيه؟ فأخفى عنه السبب أولا، فلما ألح عليه قال: وجدت بنتا صغيرة تجري وتلعب، ثم وقفت عند شجرة من الأشجار الصغيرة الموضوعة في الأصص فقطفت منها زهرة، فجاءت مربيتها الإفرنجية وأنبتها على عملها، وأبانت لها أن هذه الشجرة وزهرتها ليست ملكها، بل هي لإمتاع من في السفينة جميعا، وأن كل إنسان في السفينة له الحق في المتعة بها، وأنت بقطفك هذه الزهرة قد تعديت على حقوق كل من في السفينة ومن يركبها بعد، وحرمتهم لذتهم، ثم أخذت تلقي عليها درسا في الملكية الخاصة والملكية العامة، قال الشيخ محمد عبده: تذكرت؛ إذ ذاك علماءنا ورجالنا ونساءنا في مصر، وعجزهم عن فهم هذه المعاني وتفهيمها لأبنائهم وبناتهم فدمعت عيني.