كما أن من أعراضه كثرة مؤاخذة المحب حبيبه حتى على الأمور التافهة والأمور الوهمية، وكثرة العتاب، وما إلى ذلك.
ثم الخوف من الهرم أو الشيخوخة، ويرجع سبب هذا الخوف إلى عاملين:
الأول:
الخوف من أن الشيخوخة قد تعجز المرء عن الكسب فيكون عالة على غيره، وأكثر ما يكون هذا عند العمال والصناع ومن يعيشون على كسبهم اليومي فهم يعيشون على حساب صحتهم؛ فإذا عجزوا عن العمل حرموا وسائل العيش.
والسبب الثاني:
هو أن الشيخوخة نذير الموت، والموت بغيض مخيف.
وقد يكون من أسبابه أيضا شعور المرء أنه إذا شاخ وهرم فقد جانبا كبيرا من استمتاعه بنعيم الحياة؛ إذ لا يعود يستطيع أن يجذب المرأة إليه، ولا المرأة أن تؤثر في الرجل، وربما كان هذا السبب الأخير عند المرأة أقوى منه عند الرجل؛ لأن جمال المرأة رأس مالها في الحياة، فهي تخشى الشيخوخة التي تضيع لها رأس مالها.
وأعراض هذا المرض تختلف اختلافا متناقضا، فأحيانا يظهر في شكل كثرة حديث المسنين عن الشيخوخة، وانتهاز كل مناسبة للتحدث عن شيخوختهم، وأنهم انتهوا من دور الشباب، واعتذارهم من حين لآخر عن كسلهم أو يأسهم أو فشلهم بشيخوختهم، وأحيانا يكون من أعراضه التظاهر بمظهر الشباب كصبغ الشعر، والتأنق في الملبس، ومحاربة تجاعيد الوجه، وتكلف اعتدال القامة، والكذب في السن الحقيقة.
وقل أن يعزيه عن شيخوخته كبر عقله، ونضوج تفكيره، وهو في أغلب الأحيان يألم عند الاحتفال بعيد ميلاده أكثر مما يحمد الله على بلوغه هذه السن.
وأخيرا - ويجب أن يكون أخيرا - الخوف من الموت، وهو عند أكثر الناس أشد أنواع الخوف، وسببه - في الأغلب - يرجع إلى أمرين: الخوف مما بعد الموت؛ لأنهم يرون أنهم في حياتهم لم يرضوا الله بكثير من أعمالهم، والله حاكم عادل يثيب المحسن، ويعاقب المسيء، فهم يستحضرون في أذهانهم إساءتهم ، ويستحضرون ما للإساءة من عقوبة، فهم لذلك يخشون الموت كما يخشى المجرم المحكمة؛ والسبب الثاني ما يشعرون به من لذعة إذا تصوروا فراق الأهل والخلان.
وهذا النوع من الخوف عند الشيوخ أكثر منه عند الشباب، وعند الفارغين من العمل أكثر منه عند العاملين، وعند ضعاف الأعصاب أكثر منه عند أقوياء الأعصاب.
وقد يبالغ فيه بعض الناس، فيظهر ذلك بمظاهر مختلفة؛ فمنهم من يزهد في الحياة وينقطع للعبادة، ومنهم من ينغص عليه الحياة فيصبح مهوش الفكر مضطرب العقل، لا يصلح لعمل دنيا، ولا عمل آخرة، إلى غير ذلك.
هذه الأنواع من الخوف تملأ الحياة، وتلونها وتصبغها أصباغا مختلفة؛ حتى لو قلنا: إن أكثر أعمال الإنسان هي نتيجة الخوف؛ لم نبعد، بل هو كذلك أهم سبب للاتجاهات التي يتجهها الإنسان في حياته من فعل وترك، وفعل هذا دون فعل ذاك، والسير في هذه السبيل دون تلك.
والآن وقد فرغنا من وصف المرض وأعراضه ومضاعفاته يحق لنا أن نتساءل: إذا كان هذا هو المرض فما علاجه؟
لقد أبنا أن الخوف حالة نفسية تستولي على الفكر فتشله، فإذا نحن آمنا بأن للإنسان قوة على تفكيره كما أراد، كان هذا مفتاح العلاج.
احم نفسك من مؤثرات الخوف سواء في ذلك ما تثيره نفسك، وما يثيره من حولك، وكن شديد الإيمان بأن لإرادتك قوة تستطيع بها أن تزيل هذه المخاوف، وأن تبني حاجزا يحول بين نفسك وبين مؤثرات الخوف.
اقرأ ما يبعث فيك القوة والشجاعة، ويملؤك أملا وطموحا، ويقوي إرادتك على نفسك.
آمن بأن توقع الشر شر من الشر نفسه، فلا معنى أن يجمع الإنسان على نفسه شر الشر وشر توقعه.
حلل نفسك وتبين سبب مخاوفها: هل أنت تكره عملك الذي تعمله، ولماذا؟ هل أنت خاضع لمؤثرات تستوجب خوفك، فكيف الخلاص منها؟ هل فقدت الثقة بنفسك؛ ولماذا؟ هل أنت فارغ من العمل فتستسلم من أجل ذلك للمخاوف؛ إذن فكيف تملأ وقتك بالعمل؟ هل أنت تضعف أعصابك بالمسكرات أو كثرة التدخين، فتقع تحت تأثير الخوف من أجل ذلك؛ إذن فكيف تتغلب على ذلك؟ أي أنواع الخوف الستة أكثر تأثيرا فيك؛ ولماذا؟ هل لديك الوسائل الروحية والعقلية التي تستطيع أن تتغلب بها على الخوف، فإذا لم تكن؛ فكيف تحصل عليها؟ هل أنت واقع تحت تأثير أصحاب يسببون لك الخوف، فكيف تتخلص منهم؟ هل تصادق من هم أضعف منك عقلا وروحا؟ إذن فكيف تغيرهم بمن هم خير منهم!