من أجل هذا كان تصور الفقر مرعبا وكان الخوف منه شديدا، ومما زاده سوءا أن حاجتنا في الحياة أصبحت معقدة مركبة، وما كان يكفي الرجل وأسرته قديما لا تكفي أضعافه الآن، وكان رب الأسرة يحتمل العيشة الخشنة والرضا بالكفاف؛ ولكنه الآن يرى أن ضرورات العيش لا عداد لها؛ فهو يخشى الفقر؛ لأنه هو وأسرته لا يستطيعون أن يصبروا على القليل، وهو إن افتقر كان أتعس ممن قبله عندما افتقروا.
ومما يزيد الإنسان خوفا من الفقر شعوره الشديد أنه يوم يفقد ماله، ويوم لا يستطيع أن يسد حاجاته وحاجات أسرته يفقد عزته، ويشعر بالمذلة ويرى نفسه أحقر من إخوانه الذين يملكون المال ولو كان أشرف منهم نفسا وأحسن منهم خلقا، كل ذلك يملأ قلبه رعبا من تصور الفقر وتوقعه.
ونوع آخر من الخوف، الخوف من النقد ومن كلام الناس، وهذا الخوف يسيطر على أعمالنا لدرجة كبيرة.
وهو يتخذ أشكالا لا عداد لها، فالناس يلبسون «الطربوش» في الصيف لا للحاجة إليه ولكن خوفا من كلام الناس، ويعملون كثيرا مما يعملون ويتجنبون كثيرا مما يتجنبون خوفا من كلامهم.
واختراع «البدع» (الموضة) كل عام وإقبال الناس عليه مبني على هذه النظرية، فالمصانع تخرج كل سنة بدع الملابس فتلبسه طائفة ممن عرف بالأناقة؛ فتهرع السيدات والآنسات للبسه خشية من كلام الناس؛ وهكذا مصانع السيارات ونحوها.
وكثير من العقلاء والمفكرين يجارون الناس في آرائهم وأعمالهم وإن اعتقدوا سخافتها خوفا من كلام الناس.
ولو لاحظ الإنسان كل تصرفاته اليومية من أيام صغره إلى أيام كبره لرأى أن أكثرها صادر عن الخوف من نقد الناس.
وما مرض الفخفخة وحب الظهور، ولا مرض الخجل والمبالغة في الحياء، ولا مرض حب التقليد وعدم الابتكار إلا أعراض من أعراض الخوف من كلام الناس.
ثم الخوف من المرض: وهذا النوع من الخوف متصل بنوعين آخرين هما الخوف من الهرم والخوف من الموت، والإنسان يخاف من المرض؛ لأنه يستحضر في ذهنه احتمال الموت منه، كما قد يستحضر صورة العجز عن كسب العيش.
وقد استغل هذا الخوف من المرض تجار الأدوية فصنعوا منها ما أغرق الأسواق، وكثير منها ليس علاجا حقيقيا، وإنما هو علاج وهمي لأمراض وهمية ناشئة من مرض الخوف من المرض.
وهذا الخوف قد ينتهي عند بعض الناس إلى مرض حقيقي؛ لأن الإيعاز المستمر بالمرض قد يسبب المرض، وكثيرا ما تحدث صاحبك بسوء صحته أو تغير لونه، فيشعر عقب ذلك مباشرة بالضعف والتخاذل والمرض.
ويكاد هذا المرض يكون عاما عند الناس، وكثيرا ما يبعث عليه الفشل في الحياة، أو الفشل في الحب، أو اليأس من شيء مرجو، أو التعب الجسمي، فسرعان ما تظهر؛ إذ ذاك أعراضه.
ومن أعراضه كثرة الكلام في المرض، واستفسار الأطباء عن المرض، وقراءة الإعلان عن الأدوية، وكثرة وزن الجسم في الموازين العامة في الطرق، وتوهم المريض عندما يسمع وصف مرض أنه مصاب به، وكثرة استعمال المسكنات، وهكذا.
وهناك الخوف من فقد حب من يحب، وهو خوف يلازم الحب غالبا، فيخاف المحب أن ينصرف عنه محبوبه إلى غيره، وهذا - غالبا - هو علة الألم من الصد والهجران.
وهذا الخوف كان مظهره في الزمن القديم الاستيلاء على المرأة بالقوة وحبسها ومراقبتها مراقبة شديدة ونحو ذلك، ثم حولته المدنية إلى محاولة كسب قلبها من طريق الإغراء بالتحبب إليها والتظاهر بمظاهر العظمة والجاه ونحو ذلك.
وهذا النوع من الخوف يحدث للمرأة كما يحدث للرجل، بل هو عند المرأة أشد؛ لأن المرأة أقل ثقة بالرجل من الرجل بالمرأة، وخاصة عندما تسمح شرائع البلاد بالطلاق أو تعدد الزوجات:
ومن أعراضه شدة الغيرة؛ غيرة الرجل على المرأة والمرأة على الرجل حتى يصل بالإنسان إلى درجة الهوس، فيكون الاتهام من غير أن تكون له أسباب معقولة.