تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تعشقوا الفضيلة وهاموا بها، وكانت لذتهم الأولى، اغتنوا أو افتقروا، نعموا أو عذبوا؛ فهم في فقرهم يسعدون وفي عذابهم ينعمون!

أهم ما يشغلهم أن يعرفوا نفوسهم، وقد تطلبت منهم تلك المعرفة أن يعرفوا أبدانهم وعقولهم وروحهم، وعلاقة نفسهم ببدنهم، وعلاقة العالم بنفسهم، وفي ضوء هذا حددوا مطالبهم في الحياة، ووسائل طلبهم، وما يأتون وما يذرون، ووقفهم ذلك المنظر على عالم من المعارف لا تنتهي، ولذائذ روحية لا تحد.

وكان نهاية بحثهم وتفكيرهم الإيمان بإله فوق المادة هو خالق هذا العالم، وقد استدلوا بوحدة العالم - مهما اختلفت مظاهره السطحية - على وحدة خالقه، واتصلت نفوسهم به، فاتخذهم أمناء وحيه، وسفراء بينه وبين خلقه.

فلما وصلوا إلى ذلك احتقروا الأصنام، ورأوا أن عبادتها - يا ملكي العظيم - لا تليق إلا بالسذج ومن لا عقل لهم، فأعرضوا عنها، وعبدوا إلههم الذي دلتهم عليه نفوسهم، ووجدوا لذتهم الحقة في تفكيرهم في إلههم وفي أنفسهم، وفي العمل وفق ما اعتقدوا من حق، وما آمنوا من مبادئ.

وهؤلاء القوم إزاء اللذات الحسية وأعراض الحياة الدنيا - من عز وجاه وسلطان - صنفان مختلفان تبعا لاختلاف مزاجهم؛ فأما قوم فأعرضوا عن هذه اللذائذ جملة، فلا الأكل يستغويهم، ولا النساء تستهويهم، ولا أي شيء من متع الحياة يغريهم، ولا يهمهم إلا أن يعيشوا في أنفسهم لأنفسهم، وليس هؤلاء خير الطائفتين؛ وأما الآخرون فرأوا أن لا بأس من لذائذ الحياة بقدر، ولا بأس من عز وجاه وسلطان يستخدم في تحقيق العدل وحمل الناس على الخير، وهؤلاء نظرهم أصح، والخير على أيديهم أتم, وهو أصلح للحياة, وأصلح للقيادة, وهو أسعد من الأولين؛ إذ يستمتعون بجمال العالم, وبالخير يجري على يدهم, وبشعورهم أنهم قوة في توجيه العالم وإسعاده.

أولئك - يا ملكى العظيم - ينظرون إلى اقتصارنا على اللذائذ الحسية نظرنا إلى لذائذ هذين المسكينين، ويرثون لحالنا رثاءنا لحالهما، ويجدون الفرق بيننا وبينهم أبعد من الفرق بيننا وبينهما، ولا يودون يوما أن ينزلوا إلى درجتنا، وأن يكون حظهم حظنا، ويحمدون الله على ما أوتوا، ويسألونه السمو إلى الدرجات العلا.

الملك :

متى عرفت هذا المذهب واعتقدت هذا الرأي؟

الوزير :

من زمن طويل.

الملك :

فما الذي منعك أن تذاكرني به في حينه مع طول صحبتك، ومظاهر إخلاصك؟

الوزير :

والله ما تركت الحديث عنه ضنا بك، ولا سوء ظن بمقدرتك وقوة ذهنك، ولكني علمت أن الحديث في هذا الشأن لا يتأتى إلا عند مواتاة الفرصة وانشراح الصدر، وأيقنت أن الأمر خطير، فالنفس مولعة بما ألفت، حريصة على ما ورثت، ولا تعدل عنه إلا بعزم قوي، ونية خالصة، وجهاد طويل، وهمة عالية في تعرف الحق واعتناقه؛ فلما سنحت الفرصة، ورأيت كل شيء حولنا صالحا لمحادثتك، ونفسك مستعدة لمذاكرتك، أفضيت بالأمر إليك راجيا الله توفيقك.

الملك :

ما أعجب كلامك، ولست أذكر أن قد ورد على سمعي مثله، إنه ليفتح آفاقا للفكر، ومجالا للنظر، لقد آمنت بمبادئك في جملتها، وكفرت بعبادة الأصنام فلا صنم منذ اليوم، ولكن تفاصيل ذلك تحتاج إلى منهج يرسم وخطط تعد، ندرسها من غير أن نتأثر بإلف، ونبحثها من غير تقيد بتقليد، حتى نصل إلى النهاية، ونبلغ الغاية.

الفصل الثاني والثلاثون

| الخوف

الخوف من الأمراض التي تنغص الحياة وتذهب بالسعادة.

هو مرض خطير قل أن يسلم منه إنسان، وهو أشكال وألوان، يشكل أعمال الإنسان ويوجهها طوع إشاراته، وحسب إيحائه، وفي كثير من الأحيان يصده عن العمل، ويسبب له اليأس، ويفقده الأمل.

فمن أول أنواعه الخوف من الفقر؛ وهو من أخطر أنواعه؛ لأنه يشل قوة التفكير، ويقتل الثقة بالنفس، ويولد الشك، ويضعف اليقين، ويفقد الأمل والطموح .

وقد زاد هذا الخوف في عصرنا عن كل العصور السابقة، للتزاحم المالي الشديد والتقاتل عليه، مما لم يعرف له من قبل مثيل، فقد أعلت المدينة الحديثة شأن المال جدا، وتسابق الناس في مقاتلة بعضهم بعضا لكسبه، نعم إنه داء قديم في الإنسان ولكنه لم يبلغ الخطر الذي بلغه الآن، فالفقير ليست له قيمة سياسية ولا اجتماعية ولا قانونية، ومالك المال - مهما كانت الوسائل التي اتخذها في جمعه - هو الذي يسيطر وهو الذي ينتخب فيشارك في السياسة، وهو الذي تخضع له الرقاب.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٥٠