تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما المرأة فشوهاء مقوسة، لا ترى عينها من قذاها، ولا تعرف لون ثيابها من ألوان رقعها، قد أمسكت بيدها غربالا باليا، وشدت عليه جلدا غير مدبوغ، واتخذت من ذلك دفا تتابع به نغمات صاحبها، وتناغم عليه نقرات عوده، فإذا انتشيا قاما ورقصا، فإذا أتما دورهما حياها بطاقة من فجل، وردت تحيته بطاقة من كراث، وهي في كل ذلك تدعوه بسيد الرجال، وهو يدعوها بست النساء:

هو :

والله ما رأيت مثل جمالك.

هي :

ولا والله ما رأيت مثل حسنك.

هما :

ما أجزلها نعمة، أدامها الله علينا!

وقف الملك والوزير مبهوتين من هذا المنظر، متعجبين مما فيه هذان الصعلوكان من فرح وسرور، ولذة وحبور.

الملك :

في حياتي ما رأيت مثل هذا، وما أظنني في عز سلطاني - ونعيم ملكي، وأيام شبابي، ومجالس لهوي مع وفرة أسبابي، وتمكني من الوصول إلى كل ما أشتهي - قد بلغ مني السرور مبلغ هذين الحقيرين، وأظن أنهما على تلك الحال كل ليلة، فما الذي يمنعهما؟ هل يمنعهما ثائر في أطراف المملكة، أو شغب الجند وطلبهم الأرزاق وضيق الدخل، أو النظر في المظالم، أو مشاكل الخاصة ومشاكل العامة، أو النظر في شكاوى الناس وتدبيرها، أو ما يجد كل يوم من مسائل معقدة، داخلية وخارجية، أو بريد يرد أو بريد يصدر؟ لا شيء من ذلك، فقد قطعا عنهما أسباب الهم، فانقطع عنهما الهم.

لقد غاظني - أيها الوزير - منهما غرورهما، كيف يعدان بؤسهما نعيما وشقاءهما سعادة، ونقمتهما نعمة، وقبحهما جمالا، وغربالهما دفا، وخشبتهما عودا، وفجلهما وكراثهما زهرا، ثم يسألان من الله أن يديم عليهما نعمته!

لأنتقمن منهما انتقاما يسلبهما نعمتهما، وينغص عليهما عيشهما.

الوزير :

وماذا تنوي أن تعمل يا مولاي العظيم؟

الملك :

أريد أن أشقيهما بالنعيم، وأعاقبهما بالترف، وأبعث فيهما السخط بالرضا، أذيقهما ألم الفقدان بلذة الوجدان؛ إنهما لم يريا الجمال فسعدا بالقبح، ولم يسمعا الموسيقى فطربا من الغربال، ولم يأكلا المرقق فاستطعما الكسرة.

سأعذبهما عذابا لم يعذبه أحد، وسأستخرج منهما غرورهما بالخيال فأشهدهما الحقيقة، وسأنزع منهما الأوهام فأريهما الواقع، وسأقص جناحها الذي يطيران به إلى السماء ليلتصقا بالأرض.

سآخذ هذين المغرورين فأدخلهما قصري، وألبسهما من ثيابي، وأطعمهما من أكلي، وأشهدهما مجالسي، وأبسط لهما من سطوتي، وأسبغ عليهما جاها من جاهي؛ وسأشعرهما بلذة حياة كحياتي، وسأري المرأة كيف يكون جمال الرجال، وأري الرجل كيف يكون جمال النساء؛ وسأقيمهما في ذلك كله أياما حتى يتعوداه ويألفاه ويتطبعاه، ثم أردهما إلى حالهما، فما يهنآن بعيش، ولا يشعران بنعيم.

الوزير :

أخشى -- يا ملكي العظيم - أن نكون في لذاتنا وسرورنا واغتباطنا بجاهنا، واستمتاعنا بصنوف شهواتنا، وفرحنا بما حولنا، مغرورين غرور هذين المسكينين! وأن يكون فيمن حولنا من رأوا لذتنا فاحتقروها، وضحكوا من غرورنا كما ضحكنا من غرورهما، واستصغروا الموائد الفخمة تمد والجواري الجميلات تخطر، والملابس المترفة تعرض، والموسيقى الراقية تصدح، والجنود والبنود والأعلام تحمل شارتنا، وتأتمر بأمرنا، والذهب والجواهر تسيل سيلا، والتحف والخيرات تنهال انهيالا؛ وتنظر إلى ذلك كله نظرنا لمأوى الصعلوكين ونعيم المسكينين.

الملك

شامخا غاضبا مستكبرا :

وهل تعلم على وجه الأرض مملكة أعز من مملكتنا، أو سلطانا أوسع من سلطاننا، أو بلدا أكثر نعما من بلادنا، أو نعيما وترفا أبهى من نعيمنا وترفنا؟

الوزير :

لا يا ملكي العظيم، ولكن هناك قوم ليس لهم مملكة في الأرض، إنما لهم مملكة في السماء، ليسوا في مكان واحد، ولكنهم أفذاذ متفرقون في العالم كله؛ عشقوا الحق فاحتقروا الباطل، واعتقدوا وراء هذا العالم الظاهر كمالا مطلقا تتشوق الروح إليه وتسعى للاتحاد به، ودلهم النظر على أن كل إنسان يطلب بطبعه سعادته، ولكنهم رأوا اللذائذ الحسية عرضة للزوال، وهي تفقد قيمتها بتكرارها، وتحمل في طياتها منغصاتها، والإفراط فيها يضعفها، وهي - مهما عظمت - تصعد وتهبط، وتجيء وتذهب؛ وهي تعتمد على الإحساس والإحساس قلب، وما دامت تعتمد على الحس فهي تعتمد على الخارج، والخارج مهما كان في يدنا فليس ملكنا، وإنما هو كالريش في مهب الريح؛ من أجل هذا بحث هؤلاء الحكماء عن سعادتهم في داخل أنفسهم، ورأوا أن الجاه والعز والسلطان لا تساوي شيئا في جانب أن يجد الإنسان نفسه؛ وأن الأكل الشهي، والملبس الأنيق، وصنوف اللهو والترف، تسقط قيمتها إذا وزنت برضا النفس، وراحة الضمير، وسمو الفكر، ومعرفة الحق؛ تلك فانية وهذه خالدة، وتلك تجري عليها أحكام السلع من بيع وشراء، وسرقة واغتصاب؛ أما هذه فجلت عن أن تمتهن في مبادلة، أو أن تنالها يد بسوء، أو يعتريها الفناء ولا بالموت.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٤٩