والأكل من الشجرة وانقلاب عيشهما الرغد إلى عيش الشقاء ملازم لطبيعة الإنسان، لقد كانت المخلوقات قبلهما لا تعرف خيرا ولا شرا، وليس لها ضمير يحثها على الخير ويؤنبها على الشر، فلما ارتقت حتى وصلت إلى الطبيعة البشرية أدركت خيرا وشرا، وتحرك فيها الضمير يحاسب ويثيب ويعاقب، واستلزم هذا الشقاء والخروج من جنة النعيم كما قال المتنبي - ما أسعد العيش لو أن الفتى حجر - لم يكن قبل الإنسان ذنب ولا خطيئة، ثم كانا لما كان العقل وكان الضمير وكان آدم وكان الإنسان، فلما استعدا لارتكاب الذنوب وعرفا الخير والشر خرجا من جنة عدن؛ حيث السعادة الفطرية والحياة من غير تكليف؛ إلى الأرض التي فيها الفساد وسفك الدماء وإعمال العقل وانتباه الشعور.
رحب صديقنا الدكتور بهذا التأويل؛ لأنه يتفق وعلمه ودراسته، ولكنا أمطرناه وابلا من الأسئلة عن إبليس والملائكة والجنة وشجرة التين وما إلى ذلك، فكان يجيب عنها في لباقة تدل على خصب الخيال ومهارة ملكة الرمز عنده وغرابة أطواره ونفسيته، إلى أن قال: إن هذا القصص في الكتب الدينية من توراة وإنجيل وقرآن مملوء بضروب من البيان، من استعارة وكناية ومجاز لم يفهمها إلا الراسخون في العلم، أما من عداهم فوقفوا عند ظواهرها ولم يفطنوا إلى إشاراتها. - ثم قال: لعلي أستطيع أن أقرب إلى أذهانكم هذه الصور بحديث الإسراء والمعراج، وما ورد فيه من براق وما إليه، فإني أفهمها على أنها سياحة روحانية، والبراق ونحوه مما ورد في القصة ليست إلا رموزا لحالات نفسية وحركات روحية، وأفاض في ذلك بما لم أذكره الآن.
سألوني رأيي فحرت في أمري، وتولاني الإعجاب بهم جميعا، من منهج علمي عند الطبيب، وإيمان صادق عند الأزهري، ونزعة لطيفة للتوفيق بين العلم والدين عند المدرس، وخيال بديع عند الصوفي، ووعدتهم أن أفكر فيما قالوا إلى الغد ثم أدلي برأيي.
وختم المقئون قراءتهم وانصرفنا بعد حديث ممتع وسمر لذيذ وجدل هادئ.
الفصل الحادي والثلاثون
| ست النساء1
كان على قطر من أقطار الهند ملك عظيم الشأن، له الجنود والبنود، والقوة والسلطان، والعز والجاه.
وكان عادلا في رعيته، يحسن سياستهم، وتدبير أمورهم؛ ويحب العدل، ويمقت الظلم، ويعرف مداخل الأمور ومخارجها، ولكنه مظلم الروح، مادي النزعة، فاسد العقيدة، يعبد الأصنام، ويقدم لها القربان، ولا يؤمن بثواب ولا عقاب، ولا بخلود روح، ولا بمملكة نفس، وإنما الدنيا الحاضر، واللذة المال والجاه، والنعيم صنوف الترف.
وكان له وزير روحي، يهزأ بالأصنام ويحتقرها، ويؤمن بالروح ومبادئها، ويقر بالجزاء الأوفى، ويعتقد أن السعادة في رضا الضمير، والعمل الصالح، وسمو النفس عن السفاسف، وأن للروح مملكة فيها النعيم والشقاء، وأن نعيمها خير أنواع النعيم، وشقاءها شر أنواع الشقاء.
ولكنه لا يجرؤ على مكاشفة الملك بذلك لشدته وجبروته، ولأن قلبه مغلق لا ينفتح لمثل هذه المعاني؛ وكان يرثى لحاله كلما رآه يسجد للصنم، ويسرف في الترف، ويظن أن المجد في النفوذ والجاه، والتغلب على ما جاوره من أقطار؛ ويتحين الفرصة لنصحه وتفتيح قلبه، ودعوته إلى روحانيته، ولكن هذه الفرصة لا تسنح، والملك يتمادى في تفاخره، وخيلائه وزهوه، وعزته وأنفته، ورياسته واستطالته؛ ويمعن في الخطة التي رسمها له آباؤه، ويخضع لعرف زمانه وإلفه.
وأخيرا حدثت المعجزة: طلب الملك من الوزير في ليلة أن يخرجا متنكرين لتفقد أمور الرعية، كيف يعيشون، ويشقون أو يسعدون؛ فطافا ما طافا، ورأيا ما سرهما أحيانا وساءهما أحيانا، حتى وصلا إلى ظاهر المدينة، فرأيا - على بعد - بصيصا من نور، فقصداه فرأيا عجبا.
لقد تخفيا فلم يشعر بهما أحد، وتخيرا مكانا يريان منه كل شيء، ولا يراهما أحد.
رأيا دمنة قذرة الرائحة، بجانبها مأوى كأنه مغارة، فرشت فيه ثياب مهلهلة، تنبعث منه أبخرة متعفنة، يضيئه سراج من خرقة بالية غمست في زيت كأنه دردي، وفيه جرة لا يعرف لونها من قذرها، وسلة من خوص فيها كسر جافة، وعيدان من فحل وكراث؛ وفي داخله رجل وامرأة، أما الرجل فمشوه الخلقة، يلبس ثوبا مرقعا ويجلس على ثوب مثله، وعلى رأسه شملة ممزقة، وعلى فخذه قصبة شد عليها عود، وهو ينقر عليها نقرا غير متزن ولا منسجم، ويغني بشيء يشبه الشعر وليس بشعر ، يتغزل فيه بصاحبته وجمالها، وفتنتها وسحر عيونها، وورد خدودها، ولطف قوامها، وأنها أجمل من رأت عينه، وأنها فتنة الدنيا ونعيم الحياة.