تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحق أننا تهيبنا لهذا القول ومرت برهة من الزمن نتذوق كلامه ونفكر في الرد عليه.

فانبرى له صديقنا الأزهري وقال: إن هذا القول يشبه ما سمعته عن مذهب «دارون» وقد قرأت كتابا قيما في الرد عليه للسيد جمال الدين الأفغاني اسمه «الرد على الدهريين»، وقد فند فيه هذا القول، وبين فساد من زعم تسلسل الأنواع وتدرجها في الخلقة تبعا لظروفها وأقاليمها، وأذكر من وجوه الرد عليه ما قاله من أن هناك في غابات الهند أشجارا مختلفة، ونباتات متعددة، كلها تنبت في بيئة واحدة وتسقى من ماء واحد، ومع ذلك تختلف اختلافا كبيرا في أنواعها وأشكالها وزهرها وطعمها ورائحتها، فما الذي أوجب هذا الاختلاف إن كان الأمر أمر البيئة، وأذكر أنه حكى عن دارون أن قوما كانوا يقطعون أذناب كلابهم، فلما استمروا على عملهم قرونا ولدت كلابهم من غير أذناب، فرد عليه السيد جمال الدين بعادة الختان عند اليهود والمسلمين قرونا طويلة ومع ذلك لا يولد الآن مولود مختتن إلا قليلا، وأيضا لو صح هذا المذهب لكان بين أيدينا الآن صور لا تحصى من اختلاط الأنواع، مع أنا نرى الأنواع مستقلة تماما غير مختلط بعضها ببعض، وحتى لنرى أنه إذا ازدوج نوعان مختلفان أصيبا بالعقم؛ ومع هذا إذا كانت هذه الأقوال والآراء فروضا كلها وجب أن نرفضها إذا تعارضت مع النص الذي يذكر أن الإنسان خلق وهو جنس وحده، وقد خلق من طين وسكن الجنة قبل أن ينزل إلى هذه الأرض.

وتحدث صاحبنا من «دار العلوم» فقال: إني لا أرى تضاربا بين ما حكاه الدكتور وبين آيات القرآن الكريم؛ فقد سمعت الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده يحكي أن ابن عباس وأناسا معه كانوا يرون أن الأرض كانت عامرة قبل آدم، وأن الأرض كانت مسكونة بخلق قبله، ثم خلفهم آدم وقال: إن الأرض كانت معمورة بأقوام ثم انقرضوا وخلفهم آدم، كما تنقرض أمة وتخلفها أمة، يهلك الله صنفا وينشيء آخر، والنوع واحد، ولا يزال الهالك يترك أثرا للباقي يحدث فيه فكرة ويثير في نفسه عبرة، ويكون ذلك سلما له إلى رقي مستمر.

وقد قال أبو العلاء المعري:

وما آدم في مذهب العقل واحد

ولكنه عند القياس أوادم

فلا مانع أن تكون الأوادم التي قبل آدمنا هي سلسلة التطور التي حدثت حتى كان آخرها في الرقي آدمنا زوج حواء.

أما الجنة فإن كان جمهور المفسرين على أنها في السماء فقد قرأت في تفسير النيسابوري أن أبا القاسم البلخي وأبا مسلم الأصفهاني ذكرا أنها كانت في الأرض، وفسرا الهبوط منها بالانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في قوله تعالى:

اهبطوا مصرا ؛ لأن الجنة التي هي دار الثواب لا يدخلها إبليس ولا هي محل معصية، وهي جنة الخلد، لا يخرج منها من دخل فيها، وخلقته من الطين مفهومة؛ لأن الطين مادة الحياة وعليه اعتماده فيما يأكل من نبات وحيوان؛ فهذا كله يتفق وما حكى لنا الدكتور، ولا أرى تنافيا بين الدين والعلم.

قال صاحبنا - ذو النزعة الصوفية والمزاج الرمزي - أما أنا فكما تعهدون، لا أرى في هذه القصص إلا رمزا، إن خلق آدم وجعله في الأرض خليفة وقول الملائكة: إنه سيفسد فيها ويسفك الدماء ليس إلا رمزا إلى أن عالم الحياة في الأرض قد سار سيرته كما شاء له الله، ثم حان الزمن لخلق نوع من المخلوقات جديد هو الإنسان الذي من طبيعته الإفساد والإصلاح وسفك الدماء وصيانتها وتقلبه في شئون الحياة حسب عواطفه وعقله وقلبه، وإذ كان أرقى أنواع المخلوقات في الأرض فهو المسيطر عليها وخليفة الله فيها «وعلمه الأسماء كلها» جعل من طبيعته الاستعداد لمعرفة الأشياء خيرها وشرها، ومنافعها ومضارها.

وحواء رمز للنصف الثاني من الجنس البشري وهو الأنوثة، كما أن آدم رمز الذكورة في طبيعته الإنسانية، وقد خلقت من ضلع من أضلاعه؛ أي: أنها جزء منه تحمل طبيعته.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٤٧