تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان يرى أن الدين روح، وإذا كان روحا فهو خالد خلود الروح، وأن خير أيام الأديان أيامها الأولى؛ لأنها تكون حية حياة الروح، ثم تفقد روحانيتها شيئا فشيئا، وتتجسد بأشكالها، فتكون تافهة تفاهة الجسد، ميتة ميتة الجسد، ومن حين إلى حين يبعث الله من يفهم روح الدين ويحيا بها ويدعو لها، وقليل ما هم.

كان يسمع القرآن فيولد منه معاني بعيدة، حسب مزاجه الرمزي، لا يزعم أنها تفسير، ولكن يقول: إنها إلهام الآية كما تلهم المناظر الجميلة قلب الفنان والشاعر.

الفصل الثلاثون

| نزعة صوفية ومزاج رمزي (3)

لست أنسى رمضانا من الرمضانات منذ عشرين عاما كنا نجتمع فيه في بيت صديق لنا تخرج من مدرسة الطب حديثا، وكان من بيت كبير أنعم الله على أبيه بالثراء وبنعمة الإيمان وبمحافظته على تقاليد البيوت القديمة، فكان رمضان في بيته منظرا جميلا من مناظر المسلمين قبل أن تغزوهم المدنية الحديثة، ترى على باب البيت عند الإفطار طائفة كبيرة من الفقراء يوزع عليهم الطعام قبيل الغروب، وتسمع أذان المغرب والعشاء من داخل البيت، ويفطر على المائدة كل يوم أشكال وألوان من أصدقاء رب البيت ومعارفه، وتقام صلاة المغرب والعشاء والتراويح في حجرة هيئت على شكل مسجد، ويتعاقب ثلاثة من أحسن القراء صوتا بتلاوة قراءة القرآن إلى السحور.

فكنا نجلس كل ليلة نثير الموضوعات المختلفة حيثما اتفق، دينية أحيانا وسياسية أحيانا وأدبية أحيانا؛ ويشترك في الجدل كل الحاضرين على اختلاف نزعاتهم.

لست أنسى ليلة لا أدري لماذا علقت أحاديثها بذهني أكثر من غيرها كان سمارها هذا الطبيب وصديقنا الصوفي وشيخا أزهريا ومدرسا في دار العلوم وكاتب هذه السطور.

كان بدء الحديث أن سمعنا المقرئ يقرأ قصة آدم وخلقته من طين ثم أكله من الشجرة وخروجه من الجنة.

فقال الطبيب:

هذا ما يحيرني؛ لقد علموني في المدارس أن الأرض التي نعيش عليها كانت كرة ملتهبة يلفها دخان كثيف ثم أخذت تبرد شيئا فشيئا على ملايين السنين، واستقرت قشترتها طبقة صخرية ليس عليها حي ولا تصلح لحي؛ ثم أخذ المطر الغزير يتساقط عليها من هذا الدخان الذي يلفها حتى أثر في هذا الصخر الجرانيتي وفتت قشرته، وجرفه الماء طميا للوديان المنخفضة، وجرى الماء فكون هذه البحار.

ثم استطاعت الشمس أن تنفذ أشعتها من هذا الضباب وهذا الدخان فطلعت على بر لم يجف وبحر يتدفق.

وبعد هذا كله حصلت معجزة لم يستطع العلم حلها وتفسيرها إلى الآن، وهي وجود الخلية الأولى تدب فيها الحياة طافية على وجه الماء، وتناسلت هذه الخلية وتكاثرت وحملها التيار إلى أمكنة مختلفة وفي بيئات مختلفة فتأقلم كل حسب بيئته، وكان مما حمله التيار بعض خلايا دفعها إلى البر فتكونت حسب بيئتها فكانت نباتا، وبعضها ظل في البحر فتأقلم فكان زواحف، ثم تنوع النبات وتنوعت الزواحف ومرت ملايين السنين على هذه المخلوقات تجاهد في الحياة وتعدل نفسها وفق محيطها، ويعمل فيها قانون الانتخاب وبقاء الأصلح حتى ارتقت الخلية النباتية فكانت شجرة، وتطورت بعض الحيوانات المائية إلى حيوانات برية بحرية، ثم إلى حيوانات برية صرفة، وتكونت أعضاء تنفسها وفقا لتطورها حتى وصلت في رقيها إلى الحيوانات الثديية.

وكان بعض هذه الحيوانات الثديية أرقى من غيره فاستطاع بمحاولات كثيرة ومران طويل على الصيد ونحوه أن يتركز على رجليه بعد أن كان يتركز على أربع، وأن يحفظ توازنه، وأن يخلص يديه للعمل فنجح أخيرا في ذلك ووقف على قدميه وخلصت له اليدان وما زال يرقى حتى كان إنسانا بدائيا ثم إنسانا بدويا ثم إنسانا حضريا.

وما الإنسان الأول إلا آدم تدرج في خلقته من سلم منظم الدرجات تبتدئ من الخلية الساذجة وتنتهي بالإنسان، فكيف يتفق هذا الذي تعلمناه وأقاموا لنا البراهين على صحته مع ما أسمعه الآن من قصة آدم، وأنه خلق من طين، وأنه خرج من الجنة إلى الأرض ... إلخ.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٤٦