حار كلاهما في السماء ونجومها، والأفلاك ودورانها، هل تعقل أو لا تعقل؟
وهل هي مخيرة أم مسيرة؟ وهل تسير لغاية أو تخبط خبط عشواء؟ فأما ابن الشبل فقال:
بربك أيها الفلك المدار
أقصد ذا المسير أم اضطرار؟
مدارك قل لنا في أي شيء
ففي أفهامنا منك انبهار؟
وفيك نرى الفضاء وهل فضاء
سوى هذا الفضاء به تدار؟
وعندك ترفع الأرواح أم هل
مع الأجساد يدركها البوار؟
وأما أبو العلاء فقال:
استحي من شمس النهار ومن
قمر الدجى ونجومه الزهر
يجرين في الفلك المدار بإذ
ن الله لا يخشين من بهر
1
ولهن بالتعظيم في خلدي
أولى وأجدر من بني فهر
سبحان خالقهن لست أقو
ل الشهب كابية مع الدهر
لا بل أفكر هل رزقن حجى
نجسا يمزن به من الطهر
وقال:
العالم العالي برأي معاشر
كالعالم الهاوي يحس ويعلم
زعمت رجال أن سياراته
تسق العقول وأنها تتكلم
فهل الكواكب مثلنا في دينها
لا يتفقن فهائد أو مسلم؟
وكلاهما ناقم على العالم لم وجد؟ وما الغرض منه وما فائدته وقد امتلأ بالشرور وأفعم بالرزايا؟ فأما ابن الشبل فيقول:
ودهر ينثر الأعمار نثرا
كما للغصن بالورد انتثار
ودنيا كلما وضعت جنينا
غذاه من نوائبها ظؤار
2
هي العشواء ما خبطت هشيم
هي العجماء ما جرحت جبار
3
ويقول:
إنما نحن بين ظفر وناب
من خطوب أسودهن ضراء
4
نتمنى وفي المنى قصر العم
ر فنغدو بما نسر نساء
صحة المرء للسقام طريق
وطريق الفناء هذا البقاء
بالذي نغتذى نموت ونحيا
أقتل الداء للنفوس الدواء
ما لقينا من غدر دنيا؟ فلا كا
نت ولا كان أخذها والعطاء
راجع جودها عليها فمهما
يهب الصبح يسترد المساء
ليت شعري حلما تمر بنا الأي
ام أم ليس تعقل الأشياء
ويقول أبو العلاء:
وكأنما دنياك رؤيا نائم
بالعكس في عقبى الزمان تعبر
سر الفتى من جهله بزمانه
وهو الأسير ليوم قتل يصبر
ويقول:
أصاح هي الدنيا تشابه ميتة
ونحن حواليها الكلاب النوابح
فمن ظل منها آكلا فهو خاسر
ومن عاد منها ساغبا فهو رابح
ومن لم تبيته الخطوب فإنه
سيصحبه من حادث الدهر صابح
وكلاهما يعتب على آدم فعلته، ويحمله تبعة شقائنا في هذا الكون، فأما ابن الشبل فيقول:
فإن يك آدم أشقى بنيه
بذنب ما له منه اعتذار
ولم ينفعه بالأسماء علم
وما نفع السجود ولا الجوار
لقد بلغ العدو بنا مناه
وحل بآدم وبنا الصغار
فيالك أكلة ما زال منها
علينا نقمة وعليه عار
ويقول أبو العلاء:
خير لآدم والخلق الذي خرجوا
من ظهره أن يكونوا قبل ما خلقوا
فهل أحس وبالي جسمه رمم
بما رآه بنوه من أذى ولقوا؟
وكلاهما يحار في علة الوجود وفي التكليف مع الجبر، فيقول ابن الشبل:
فماذا الامتنان على وجود
لغير الموجدين به الخيار
وكانت أنعما لو أن كونا
نخير قبله أو نستشار
ويقول:
قبح الله لذة لأذانا
نالها الأمهات والآباء
نحن لولا الوجود لم نألم الفق
د فإيجادنا علينا بلاء
ويقول أبو العلاء:
جئنا على كره ونرحل رغما
ولعلنا ما بين ذلك نجبر
ويقول:
ما باختياري ميلادي ولا هرمي
ولا حياتي فهل لي بعد تخيير
وكلاهما يحار في «البعث والنشور» فيقول ابن الشبل:
وقليلا ما تصحب المهجة الجس
م ففيم الأسى وفيم العناء؟
ولقد أيد الإله عقولا
حجة العود عندها الإبداء
غير دعوى قوم على الميت شيئا
أنكرته الجلود والأعضاء
وإذا كان في العيان خلاف
كيف بالغيب يستبين الخفاء؟
ويقول أبو العلاء:
أرواحنا معنا وليس لنا بها
علم فكيف إذا حوتها الأقبر؟
ويقول:
دفناهم في الأرض دفن تيقن
ولا علم بالأرواح غير ظنون
ويقول:
وقد زعموا هذي النفوس بواقيا
تشكل في أجسامها وتهذب
وتنقل منها فالسعيد مكرم
بما هو لاق والشقي مشذب
ولو كان يبقى الحس في شخص ميت
لآليت أن الموت في الفم أعذب
هذا إلى كثير من وجوه الشبه بينهما في الحيرة والنظرة الفلسفية للحياة، وتصوير ذلك كله تصويرا شعريا؛ ولكن شيئا واحدا جوهريا يخالف بينهما تمام المخالفة، ويجعل نظرتهما للحياة متغايرة؛ فأبو العلاء بطبيعة مزاجه وعاهته وفشله قال: إن الحياة باطلة فلأزهد فيها، وابن الشبل بحكم ظروفه التي لم ترو لنا قال: إن الحياة باطلة فلأنعم ما استطعت بها، مقدمتان متساويتان لنتيجتين متضادتين، كالكهرباء الواحدة تستعمل في التبريد وفي التدفئة، تارة تكون مروحة وثلاجة، وتارة تكون مدفأة ونارا.