ولعل من قوانينه العامة منح الإنسان حريته في الإرادة، والجزاء الطبيعي الذي تنتجه أعماله، ومسئولية الإنسان عن أخيه الإنسان، كما تسأل خلية الجسم عن سائر الخلايا - إذن فلا حق من الشكوى ما دام هذا هو القانون العام الذي يتعادل مع قوانين العالم العامة. •••
وبعد؛ فلماذا لا تكون النبوءة أن هذه الحرب بويلاتها تعمم في الإنسان هذه الآراء، فيعدل من نفسه حسب القوانين العامة التي بثها الله في العالم حتى يلائم بينه وبينها، وينسجم معها، ويشعر بالعقوبة الطبيعية فيتجنب إحداث الجرائم، ويغير ما بنفسه من غرور بالقوة، واعتماد على المادة بعد أن تبين الفشل في الاعتماد عليها؛ ويصحح تصوره لله حسبما أشرنا، فيرى أن الموت إن كان يبعث الحياة فهو خير، وأن العقوبة إذا أصلحت الجاني فهي رحمة وهي حب.
نحن إلى هذا أميل، والله بالمستقبل عليم. •••
وإلى هنا تنتهي أحاديثنا في رمضان، وكل عام والقراء بخير.
الفصل السابع والعشرون
| ابن الشبل البغدادي وأبو العلاء المعري
الشهرة حظ كحظ المال، غني جاهل، وفقير عاقل، وما ينهال انهيالا على من لا يستحق، وقد لا نعرف السبب، ومحروم بائس ولديه كل أسباب الغنى؛ كذلك الشهرة، مشهور لا نعرف لشهرته علة، ومغمور يستحق كل شهرة.
وهذا ينطبق على ابن الشبل البغدادي: أديب كبير، وفيلسوف حكيم، ضن عليه المترجمون فلم يرووا لنا أخباره، وضاع بين الأدب والفلسفة، فلم يشتهر شهرة الأدباء ولا شهرة الفلاسفة، لم أعثر له على ترجمة تشرح حياته إلا نحو خمسة أسطر في «معجم الأدباء» لياقوت الحموي، ومثلها في «طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة؛ فهما يقصان علينا أنه كان حكيما فيلسوفا، وأديبا بارعا، وشاعرا مجيدا، وأنه ولد ونشأ ببغداد، وتوفي بها سنة 474، ثم رويا شيئا من شعره، وهذا كل ما قالاه وكل ما عثرت عليه بعد البحث، حتى لم يكف الناس أن يظلموه بتعفية آثاره فعمدوا إلى خير قصائده وأشهرها، التي مطلعها «بربك أيها الفلك المدار» فسلبوها منه ونسبوها إلى ابن سينا؛ وكذلك الدنيا «إذا أقبلت على أحد أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت سلبته محاسن نفسه».
كل ما عثرت عليه من شعره نحو مئة وخمسين بيتا؛ ولكن ليس الشعر بالعدد، ولا التقويم بالكمية، فقد يروى لشاعر بيت واحد يساوي دواوين، ولو أنصف الناس لعدوه شاعرا كبيرا، وقد يكون لشاعر ديوان في أجزاء وهي كلها لا تساوي بيتا، ولو أنصف الناس لأهملوه وأهملوا ديوانه.
ابن الشبل البغدادي - كما تدل عليه هذه الأبيات - شاعر ممتاز من جنس الشعراء القليلين الذين جمعوا بين الشعر والفلسفة، أمثال دانتي وملتن في الشعر الغربي، وأبى العلاء وعمر الخيام في الشعر العربي؛ ولكن الأخيرين رزقا الحظوة في شعرهما فسار ذكرهما في الناس، وعرفهما الشرق والغرب، وخمل ابن الشبل فجهل في الشرق والغرب.
كان ابن الشبل شاعرا حائرا حيرة أبي العلاء، كلاهما يبحث عن الحق بعقله فتضطرب الدلائل وتختلف الأعلام، فيصرخ بالشعر من حيرته، وكانا متعاصرين تقريبا، تأخرت وفاة ابن الشبل عن وفاة أبي العلاء بخمسة وعشرين عاما، فهذا شاعر حائر في بغداد، وهذا شاعر حائر في معرة النعمان: هل العالم خير أو شر؟ إن في العالم لذائذ ومسرات، فهل نستمتع بها أو نرفضها؛ ما الدين وما تعاليمه؟ ما القدر وكيف يتفق والثواب والعقاب؟ هذه الأسئلة ونحوها أثارها كل منهما، لا إثارة فيلسوف فحسب ولا شاعر فحسب، بل إثارة شاعر فيلسوف معا، ينظر كلاهما النظرة الفلسفية العميقة، ثم لا يخضع لنظم الفلسفة وعباراتها وترتيب مقدماتها ونتائجها وفصولها وأبوابها، ويوقع كلاهما أفكاره على النغمة الموسيقية الشعرية، مازجا عاطفته بفكرته وخياله بمنطقه، بل عندي أن ابن الشبل أصح شاعرية وأرق موسيقية، وأجزل أسلوبا من صاحبه أبي العلاء في اللزوميات، لقد أتعب أبو العلاء نفسه بالتزام ما لا يلزم، وبتظاهره بمعرفته الواسعة بمادة اللغة، أما ابن الشبل فسهل جار مع الطبع، لا يتكلف ولا يلتزم ما لا يلزم ولا يحب الغريب. •••