تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأما أبو العلاء فغنى على أوتار حزينة، يلعن الدنيا ويلعن الناس ويلعن نفسه، ويفر من الدنيا فراره من الجرب، ويزهد في كل ملذاتها من نساء وخمر وأكل شهي، ويفرض على نفسه فروضا قاسية من عزلة ورهبانية وصيام حتى عن الطيبات من الرزق، فلا يأكل السمك؛ لأنه أخرج من البحر ظلما، ولا اللحم؛ لأنه عذب حيوانه ذبحا، ولا يفجع الطير في نفسها وأولادها، ولا عسل النحل الذي جمعه بجده من الأزهار فيقول:

فلا تأخذن ما أخرج الماء ظالما

ولا تبغ قوتا من عريض الذبائح

ولا تفجعن الطير وهي غوافل

بما وضعت فالظلم شر القبائح

ودع ضرب النحل الذي بكرت له

كواسب من أزهار نبت فوائح

فما أحرزته كي يكون لغيرها

ولا جمعته للندى والمنائح

مسحت يدي من كل هذا فليتني

أبهت لشأني قبل شيب المسائح

ويقول:

وأرحت أولادي فهم في نعمة ال

عدم التي فضلت نعيم العاجل

ولو أنهم ظهروا لعانوا شدة

ترميهم في متلفات هواجل

5

ويقول:

وزهدني في هضبة المجد خبرتي

بأن قرارات الرجال وهود

كأن كهول القوم أطفال أشهر

تناغت وأكوار القلاص مهود

إذا حدثوا لم يفهموا، وإذا دعوا

أجابوا وفيهم رقدة وسهود

ويقول:

أأخرج من تحت هذا السماء

فكيف الإباق وأين المفر

وما جعلت لأسود العرين

أظافير إلا ابتغاء الظفر

لحا الله قوما إذا جئتهم

بصدق الأحاديث قالوا: كفر

وأما ابن الشبل، فيرى بطلان الحياة فيضحك منها ولها، ويتغزل غزلا ظريفا، ويدعو إلى انتهاب اللذات قبل فوات الأوان، فيقول في غزله:

إن تكن تجزع من دم

عي إذا فاض فصنه

أو تكن أبصرت يوما

سيدا يعفو فكنه

أنا لا أصبر عمن

لا يحل الصبر عنه

كل ذنب في الهوى يغ

فر لي ما لم أخنه

ويقول:

قالوا وقد مات محبوب فجعت به

وبالصبا وأرادوا عنه سلواني

ثانيه في الحسن موجود، فقلت له

من أين لي في الهوا الثاني صبا ثاني؟

وله اللفتات النفسية اللطيفة كقوله:

لا تظهرن لعاذل أو عاذر

حاليك في السراء والضراء

فلرحمة المتوجعين مرارة

في القلب مثل شماتة الأعداء

والتشبيهات المبتكرة كقوله:

يفنى البخيل بجمع المال مدته

وللحوادث والوراث ما يدع

كدودة القز ما تبنيه يخنقها

وغيرها بالذي تبنيه ينتفع

ويقول في انتهاب اللذات:

ما أمكنت دولة الأفراح مقبلة

فانعم ولذ فإن العيش تارات

قبل ارتجاع الليالي وهي عارية

وإنما لذة الدنيا إعارات

لعله إن دعا داعي الحمام بنا

نقضي وأنفسنا منا رويات •••

قد وقع الدهر سطرا في صحيفته «لا فارقت شارب الخمر المسرات»

خذ ما تعجل واترك ما وعدت به

فعل اللبيب فللتأخير آفات

وللسعادة أوقات ميسرة

تعطي السرور وللأحزان أوقات

وهكذا كانا لطيفين في موافقاتهما، لطيفين في مفارقاتهما - رحمهما الله.

الفصل الثامن والعشرون

| نزعة صوفية ومزاج رمزي (1)

كان لي صديق - رحمة الله عليه - له نزعة صوفية ومزاج رمزي، كان لا يرى الأشياء كا نرى، بل يرى كل شيء رمزا لمعنى، وكان لا يسمع كما نسمع، بل كانت كل كلمة يسمعها توحي إليه بمعان تنسجم مع نزعته ومزاجه.

كنت أسايره مرة في شارع من شوارع الإسكندرية، فطلع علينا فجأة بائع جرائد يقول: «البصير، البصير»، فقال صاحبي: «سبحانه وتعالى».

وأسمعته يوما أبياتا لأبي تمام، حتى إذا وصلت إلى قوله:

وأنجدتم من بعد إتهام داركم

فيا دمع أنجدني على ساكني نجد

استعادني البيت، ثم رأيته يكرره حتى دمعت عيناه، وقص علي في اليوم التالي أن البيت ظل عالقا بذهنه حتى شطره وخمسه وسبعه، ولم يذكر لي أي المعاني رمز إليها هذا البيت حتى بعثته على ذلك كله.

وله في ذلك طرف كثيرة لا أطيل بذكرها.

وسميت ذلك مزاجا؛ لأن هذا النموذج من الناس أقرب إلى أن يكون خلقة من أن يكون اكتسابا، وإلى أن يكون استعدادا فطريا من أن يكون تعليما ومرانا، هذا المزاج لا بد من قدر منه للشاعر والموسيقي والفنان والصوفي، وإن اختلف حظهم منه واختلفت نواحي تلقيهم وأدائهم.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٤٢