فدعني أبادرها بما ملكت يدي
سيقولون: إن كان الله يحب خلقه فأين الحب والوالدان الشيخان العاجزان يفقدان أولادهم في هذه الحرب؛ والفتاة الناضرة التي تستقبل الحياة تفقد زوجها، والأم تفقد عائلها وحولها طفلها الرضيع وأولادها البائسون، والأسرات لم تشترك في القتال تنزل عليها المدمرات فتأتي عليها، فأين الرحمة؟
وإن كان الله قادرا فلم لم يحبس الأرواح الشريرة في قماقم؟ ولم لا يحصد أرواح باذري الشر والفساد، ومثيري الفتن والحروب؛ ويترك من عداهم فتستريح الدنيا ويسعد الناس؟
من أجل هذا يتنبئون بكفر صارخ، وإلحاد شامل. •••
ولكن ما أظن هذه النبوءة صحيحة، فالإنسان من قديم يرى هذه الكوارث، وتثور فيه هذه الشكوك، وهو بعد لم يفقد إيمانه.
كل ما في الأمر أن الإنسان مع ما ناله من رقي في العقل والتفكير والشعور، سيعدل نظره إلى الله، وبدل أن يفقد إيمانه لهذه الاعتراضات يصحح تصوره لله، ويتجلى له خطؤه في تصوره القديم.
إن منشأ الغلط في تصورالله على هذا النحو هو تشخيصه، وإسباغ صفات عليه تشبه صفاتنا، ونسبة عواطف إليه تشبه عواطفنا: من حب وكره وفرح وحزن ورحمة وانتقام، نعم قد وردت هذه الألفاظ في كتب الأديان، ولكن ألجأها إلى ذلك قصور لغة الإنسان وعجزها عجزا تاما عن أن تصف ما لا يشبه الإنسان ومن ليس كمثله شيء، فالله ليس مشخصا ولا هو إنسان، ولا له عواطف الإنسان، ولا يحب ويكره بالمعاني التي يشعر بها الإنسان، فإذا قلنا: إنه يسمع ويرى فلسنا نعني أن له حواس كحواسنا؛ وإذا قلنا: يحب ويكره، ويرحم وينقم، فلسنا نريد أنه يعتريه انفعال كانفعالنا، ولكن هي اللغة العاجزة، واللغة المحدودة بحدود الإنسان.
إن الله يحكم العالم ويدبره بقوانين عامة واسعة، لا بأحكام جزئية ضيقة؛ خلق الخلق وسيره على قوانين عامة، فمن اعترضها اكتسحته؛ وضع هذه القوانين وهو عالم بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، وعالم بدنيانا ودنيا غيرنا، وعالم بكوكبنا والكواكب الأخرى حولنا، فمن ضيق النظر أن نطالب الله أن ينظر إلى جزئيتنا في بيتنا، وإن تعارضت مع القانون الكلي، إن البستاني يقلم أشجاره ويقص حشائشه؛ لأنه ينظر إلى البستان كلا، ولا اعتراض عليه؛ إذ يضحي بالجزئي للكلي؛ والأرض مرتبطة بالشمس، ونمو الشاة متوقف على نمو النبات، وحياة الإنسان مرتبطة بحياة النبات والحيوان، وكل هذه مرتبطة بقوانين عامة، وهذا ما أدركناه اليوم، وما لم ندرك أكثر مما أدركنا؛ أفليس يعد من السخف أن نعترض على حادثة جزئية؛ إذ كانت خاضعة لقانون عام يقرر المصلحة العامة؟ أفليس من السخف أن نعترض على امتداد حديدة معينة بالحرارة، وهذا قانون عام يقضي بتمدد الأجسام كلها بالحرارة، وهذا القانون العام مرتبط بقوانين أخرى عامة مثله أو أعم منه؟ فمن ينظر إلى موت ابنه وحده أو قتل أسرة بعينها أو موت ملايين من الناس في حرب من الحروب كمن يعترض على تمدد حديدة بالحرارة، نظر جزئي ضيق يعترض على نظر كلي شامل، فما جيل بالنسبة لملايين الناس؟ وما الأرض كلها لسائر العوالم؟ إن الناظر من سطح الأرض غير الناظر من قمة جبل، غير الناظر من طيارة، إن النبتة تشكو الدودة وهي تمتصها، والدودة تشكو العصفور وهو يلتقمها، والعصفور يشكو الصقر وهو يبتلعه، والصقر يشكو الإنسان وهو يصيده، والإنسان يشكو الموت يصيبه، والله من ورائهم محيط؛ لأنه أعلم بقوانينه الواسعة الشاملة.
إن الله ليس من صفاته الرحمة فقط، بل هو أيضا عادل حكيم منتقم، له كل هذه الصفات وأكثر منها، ولكل صفة مظهرها وتصرفاتها، فمن الخطأ أن تقاس كل المظاهر بالحب وحده، أو الرحمة وحدها.
إن للعالم غاية دبرها عقله: فلا بأس بالضحايا مهما كثرت للوصول إلى غايته نزولا على القوانين العامة التي تحكم العالم.