تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قالوا: سيدرك الإنسان هذه النتائج كلها وأكثر منها بمحنته في هذه الحروب، وستتكشف له عللها وأسبابها، وسيرى أن الدواء في التوازن، فينمي قلبه وشعوره كما نمى رأسه وعلمه، وإذ ذاك يلجأ إلى الدين، فهو غذاء القلب، وسيرى أن عبادة العلم والمادة تكشف عن مآس مرعبة، وأن عبادة اللذة أفقدت اللذة، فلا ملجأ إلا إلى الدين، إلى الله، إلى رحمته، إلى عفوه، إلى أن يسكب الدمع ليغفر له غفلته، ثم يفتح صفحة جديدة لحياة جديدة.

قال بعضهم: ولكن سوف لا تعود أوروبا إلى الدين القديم بكل جملته وتفصيله، فستدخل الحرب التعديل على تفاصيل الدين، كما ستدخله على كل النظم الاجتماعية، مسترشدة بأخطاء الماضي، سيكون الدين منبعا لعواطف الوطنية، سينزع الغرائز الوحشية الظامئة إلى الدم من قلب الإنسان ليحل محلها السلام العام، والأخوة العامة: سوف ينكر الدين الجديد الشهوة في ملك الجار الضعيف، واغتصاب الأمم غير المسلحة والشعوب الراغبة في السلام، إن الدين في شكله الحاضر قد فشل؛ لأنه قوى روح الشر، وأعان الظالمين على ظلمهم، وعلى أقل تقدير أفقد رجال الدين قدرتهم على قمع أتباعهم، حتى أصبحت أوروبا كلها مجزرة بشرية، ثم سرت منها العدوى إلى العالم كله بباعث الكره والبغض وحب الدم وحب الانتقام، ثم تقام الصلوات من كل جانب لنصرة جانبه لا لنصرة الإنسانية وفكاكها من أسر الوحشية، إن العالم كله أصبح الآن بركانا هائجا، والإنسان يحصد حصدا بالملايين، وكل يشعل النار، وكل يحول ما وصلت إليه رمادا، وكل يقلب الجمال قبحا، وتعاليم الدين الحاضرة عاجزة عن أن تقف عبثهم، وتصد كيدهم.

إن مستقبل الدين لا لهذا التعاليم، ولكن لتعاليم أخرى تتفق وروح الدين الأساسية، تعاليم مؤسسة على الحق، على أخوة الإنسان للإنسان، وإن اختلف في الجنس والدم واللغة والوطن والدين، على انسجام الناس بعضهم وبعض، وتبادل المنافع ودفع المضار، على عدم التحزب لأي جانب مادي ، على عدم إضاعة الزمن في بذر الحقود بين الشعوب لما بينهم من خلاف في الأقاليم، أو في العقيدة، أو في اللغة.

هذا هو الدين سيسود الناس، وهو الدين الذي ينسجم مع إرادة الله وفعله، فهو خالق الناس جميعا، وهو واهبهم نعمه على اختلاف جنسهم ومللهم وألسنتهم وألوانهم، مجري الهواء يستنشق منه الناس جميعا، ومخرج النبات في كل أرض يأكل منه الناس جميعا، ومحرك الشمس والقمر والنجوم تبعث ضياءها وحرارتها على الناس جميعا، وواهب العقول والشعور والإرادة للناس جميعا، فما بال دين الله لا يتبع سنة الله، فينشر بين الناس جميعا الأخوة والمحبة والعدل والتعاون والتواصي بالحق والتواصي بالصبر؟ •••

وتوقع متنبئون آخرون من الكتاب عكس ذلك تماما.

قالوا: إن هذا التخريب في العالم الذي لا حد له، والضحايا بالملايين، والويلات تصب على المحاربين وغير المحاربين، والأيتام الذين فرق الموت بينهم وبين آبائهم، والمصائب التي لا يحصيها عد، ولا تقف عند شكل دون شكل، كل هذه ستثير الشكوك في نفوس الناس فيصرخون من أعماق نفوسهم: «أين رحمة الله؟» وأين حبه لخلقه؟ وأين الحكم العادل الذي يحكم به عباده؟

ستهز هذه الأمثلة وأمثالها نفوس الناس فينكرون عقلا مدبرا، وتقدما مستمرا، وحاكما يوجه العالم لغاية، وستبعث في النفوس الشك الذي يسلم إلى الإلحاد، وسيزيدون إمعانا في المادية، وسينصرف الجيل الجديد من الشبان - وقد رأوا هذه المناظر وسمعوا هذه الأقوال - عن أن يلتفتوا إلى بيوت العبادة أو إلى شعائر الدين، وسيكون شعارهم: «دعنا نأكل ونشرب، ونلهو ونلعب، فغدا يطوينا الموت، ويلفنا الفناء» وفي مثل ذلك يقول طرفة:

ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى

وأن أشهدت اللذات، هل أنت مخلدي؟

فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٣٨