تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما أن العالم مادة فقط فقول لا يستسيغه العقل؛ فكيف تكون الأفكار والإرادة والعواطف نتيجة للمادة الكثيفة الجامدة! وكيف يكون الفكر الذي يشعر بشخصيته نتيجة لمادة لا تشعر بشخصيتها؟ وكيف تكون المادة التي ينصب عليها الفكر والشعور هي بعينها المفكرة الشاعرة؟ وكيف تكون المادة والعقل والفكر شيئا واحدا وصفاتها مختلفة تمام الاختلاف؟ بل كيف تكون المادة المادية علة للفكر والعقل غير الماديين؟ إن القول بأن المادة كل شيء يعجز عجزا تاما عن تفسير ظواهر العالم، فكيف تنشأ الحركة عن المادة؟ وكيف ينشأ الحس عن الحركة؟ وإن وجود علاقة بين شيء وشيء كالعلاقة بين المخ والتفكير لا يستلزم العلية، وإن المخ هو مكان الفكر لا علته.

إن كان ذلك كذلك فلا بد أن يكون هناك شيء وراء المادة، ووراء الجسم، وهو الروح. •••

ثم إن العلم الحديث أثبت أن المادة لا تنعدم، فكل ذرة في هذا العالم لا تفنى، ولكن تتحول من حبة الرمل وقطرة الماء إلى أعظم مخلوق؛ فالشمعة تحترق وتبدد الظلام وتتبدد هي أيضا، ولكن الكيمياوي يستطيع أن يثبت أن عناصرها لم تفن وإنما تفرقت في الجو، وهي موجودة في الهواء، ولكن في وضع آخر، تغير شكلها ولكن لم يتغير جوهرها، وليست مادة الشمع وحدها لا تفنى، بل طاقتها وقدرتها على الاحتراق والإضاءة لم تفن كذلك، بل تغير وضعها وشكلها.

هكذا قرر العلم الحديث، وهكذا أثبتت التجارب؛ وعلى ذلك فموت الأجسام ليس إلا تغيرا لحالات الجسم، وسيبقى الجسم في هذا العالم في أشكال أخرى؛ فقد تكون ذرات جسم قيصر - كما قال شكسبير - طينا تسد به ثلمة، أو كما قال عمر الخيام: وعاء تعتق فيه الخمر أو نحو ذلك، ولكن لا فناء. •••

إن كان العالم ليس مادة فقط، وإن كان العالم مادة وروحا، وإن كان العلماء يقررون أن المادة لا تفنى، وأن الطاقة لا تفنى، فكيف تفنى الروح وهي أصلح من المادة للبقاء، وتكوينها وصفاتها أنسب للدوام، وهي أرقى ما تمخض عنه العالم؟

إن الروح هي التي تمس المادة فتدب فيها الحياة، إنها تحل في الجسم فيعقل ويفكر ويتذكر ويشعر وتلعب عواطفه، وتفارقه فيكون مادة جامدة كسائر المواد؛ فإذا جاء الموت تحلل الجسم وذهب يلعب في العالم دوره، فيكون بعضه غذاء لشجرة، وسمادا لزرع، وهواء يستنشق، وطينا تسد به ثلمة، وجرة لخمر، وركنا في بناء، وترابا يوطأ بالأقدام، ومزهرا يعجب الناظرين، وزهرة يتغزل فيها الأديب، وطعاما لدود أو حوت، وفسفورا تشعل به اللفافة، وما شئت من صنوف الخلق مما يجمل ويقبح، ويبعث الإعجاب والاشمئزاز، والحب والكره، ويدور مع العالم دورته ويكون جزءا في ساقيه «جحا» التي تملأ من البحر وتصب في البحر؛ وتبقى الروح حية خالدة، تبقى فيما قدمت من عمل، وتحيا فيما خلفت من أثر، وتلقى ربها حامدة لخيرها، نادمة على شرها.

ما أتفه الحياة إن لم يكن خلود! وما أضيق الأمل إن لم يكن غير هذه الحياة! وما أضيع العدالة إن فقدت في الدنيا ولم تكن آخرة.

لا، لا، ليس إلهام الإنسان بالحياة الأخرى أكذوبة، ولا شعوره بها خدعة، إنما هو وحي صادق من طبيعته، وشعور حق يتغلغل في غريزته.

الفصل السادس والعشرون

| مستقبل الدين

ما أثر هذه الحرب العالمية في الدين؟ ما نوع الموجة التي ستسود العالم بعد الحرب؟ أموجة دين أم موجة إلحاد؟ وهذه المصائب العظمى - التي لم يمر على عالمنا مثلها - ما أثرها في الشعور الإنساني، أتقربه من الله أم تبعده عنه؟

هذه الأسئلة وأمثالها شغلت بعض كبار العقول في أوروبا، من رجال دين ورجال اجتماع وعلماء نفس، وأجابوا عنها إجابات مختلفة، وتنبئوا بالمستقبل تنبؤات متناقضة، فذهب فريق إلى أن العالم ستدينه أهوال الحرب؛ لأن أوروبا - قائدة العالم - عبدت العلم فأضلها، وقدسته فكانت الويلات نهايتها، قد لا تكون هذه الكوارث آفة العلم؛ لأن العلم آلة ذات حدين تستعمل في الخير والشر على السواء، ولكن كان ينفع العلم لو أن الإنسان نمى شعوره كما نمى علمه؛ وأحيا قلبه كما أحيا رأسه، أما أن يعنى الإنسان بعلمه ويترك قلبه، ويستكشف مجاهل العلم ولا يستكشف مجاهل القلب، ويبني حياته اليومية ويؤسس سياسته العامة على العلم وحده دون القلب، ويتقدم في العلم خطوات واسعة حتى ليكون الفرق بين علم اليوم وعلم الأمس شاسعا، ثم لا يتقدم في قلبه قيد شعرة بل قد يتأخر، فاختلال في التوازن نشأت عنه هذه الكوارث؛ كمن يمرن إحدى عينيه ويهمل الأخرى فتعمى، فقد خلق الإنسان ولا ينتظم حاله إلا بالتوازن، فإذا اختل توازنه شقي.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٣٧