إن النشوء والارتقاء لا يصلح تفسيرا للمبدع، وإنما يصلح تفسيرا لوحدة العالم ووحدة المصدر، وكلما تكشفت أسرار العالم وتكشفت وحدته ووحدة تدرجه ووحدة نظامه وتدبيره كان الإنسان أشد عجبا، وأشد إمعانا في السؤال، وليس يقنعه بعد كشف العالم عن أسرار العالم، وعجزه عن شرحها وتعليلها، إلا أن يهتف من أعماق نفسه: «إنه الله رب العالمين».
الفصل الخامس والعشرون
| الحياة الأخرى
في الناس قديما وحديثا، فيما قبل التاريخ وما بعد التاريخ، في البدو والحضر، في الأصقاع المختلفة حيث لم تكن هناك صلة بين الناس، ولا تبادل في الأفكار والمشاعر، في الإنسان الساذج الجاهل، وفي الإنسان المعقد العالم؛ في كل أولئك شعور خفي يشبه الإلهام بأن وراء هذه الحياة الدنيا حياة أخرى تتحقق فيها العدالة وقد فقدت في الدنيا، وينال فيها الإنسان جزاء أعماله ونياته، من غير أن تفسد الحكم رشوة قاض، أو بلاغة محام، أو تحيز لطبقات، أو لشتى الاعتبارات؛ هو نوع من الإلهام يشبه إلهام النبات في امتصاصه ما ينفعه وتجنب ما يضره، وإلهام الطير في رحلاته في الوقت المناسب، وعودته إلى وطنه في الزمن الملائم، وإلهام الطفل حين خروجه إلى هذا العالم أن يلتقم ثدي أمه، وأن يبكي إذا عراه ألم، وأن يبتسم بعد إذا سر، وأن ينفعل بالرضا والغضب، ونحو ذلك من شتى العواطف والغرائز.
حتى أكثر الذين ينكرونه بألسنتهم وبمنطقهم يشعرون أن الإلهام باليوم الآخر متغلغل في أعماق نفوسهم، كامن في خفايا غرائزهم، لا يلبث أن يظهر إذا اشتدت الشدائد وتحرجت الأمور ووقعت الكوارث، فتراهم ينكرون عقولهم ويؤمنون بغرائزهم، ويحسنون أعمالهم، ويكفرون عن كفرهم، ويألمون لأنكارهم غرائزهم.
بهذه العقيدة في الحياة الآخرة أصبح عمر الإنسان طويلا لا حد لطوله، وبهذه العقيدة أضاف إلى حياته المادية المحدودة حياة روحانية غير محدودة، وبهذه العقيدة شعر أنه أرقى من كل الكائنات المادية، ومن كل النباتات والحيوانات القصيرة المدى، وبهذه العقيدة شعر أن نفسه الخالدة أرقى من جسمه الفاني، وبهذه العقيدة تشكل سلوك الإنسان وعليها أسس حضاراته؛ فحضارة قدماء المصريين والآشوريين والبابليين ما كانت تكون لولا العقيدة في الآخرة، وعلى هذه الحضارات بنيت الحضارات المتتابعة على اختلاف أشكالها وألوانها.
أفمع هذا كله يمكن أن يكون هذا الإلهام كاذبا أو خادعا؟
لقد جاهر بهذا قوم من كل صنف وكل ملة، فقديما قال الشاعر:
حياة ثم موت ثم نشر
حديث خرافة يا أم عمرو
وحكى الله في القرآن عن قوم قالوا:
ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر .
وجاء بعض العلماء في العصر الحديث فشايعوهم في أفكارهم، ونادوا بأن لا شيء إلا المادة، ولا حياة إلا هذه الحياة، وأن الفكر والشعور والعواطف نتيجة المادة وحدها وإفرازها، كما تفرز الكبد الصفراء، وكما تفرز الكلية البول؛ والأفكار والإرادة والعواطف من إفراز المخ، ويتوقف مقدارها ونوعها على مقدار المخ وعمله وتركيبه؛ وكل شيء في الحياة مادة أو مظهر من مظاهرها، ولا شيء يسمى النفس، فلا معنى لخلودها، وإنما هو من نسج الخيال، وجاراهم في ذلك بعض علماء النفس، فأخذوا يحللون الشعور بالحياة الأخرى، ويرجعونه إلى عناصره الأولية؛ ورأوا - على طريقتهم - أن هذا يرجع في الإنسان إلى «مركب النقص»، فلما رأى ضعفه بالنسبة لقوة الطبيعة حوله اخترع ما يكمل نقصه، فادعى بأنه الخالد وهي فانية، الحي أبدا وهي مائتة، وأوحي إليه بهذا الخيال - على رأي بعضهم - ما رأى من طير يطير بأجنحته إلى السماء ويغيب عن الأنظار ثم يعود إلى عشه كما بدا، قالوا: وإن هذا العالم مملوء بالشرور والكوارث والظلم، ناقص من كل وجه، والإنسان طموح بطبعه، حاول أن يصلح العالم حسب آماله وطموحه، فأدرك القليل وعجز عن الكثير؛ فلما أعياه إصلاح الواقع لجأ إلى الخيال، فتخيل الفلاسفة مدنا مثالية كالمدينة الفاضلة وما سموه «يوتوبيا»، وتخيل الجمهور عالما آخر مثاليا هو الجنة، وهكذا استمروا في قولهم وتعليلهم. •••