تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الله عقل العالم وروحه، وهو للعالم كعقلنا فينا، وقد صدق الأثر: «إن الله خلق آدم على صورته». •••

أعجب ما في العالم عقل الإنسان، ولعل أعجب ما فيه أنه استطاع أن يدرك عجائب العالم، واستطاع أن يتجاوب مع عقل العالم الذي هو وليده وظله.

نحن بين اثنتين: إما أن نكون - كجزء من العالم - خلوا من العقل والروح والغرض، والعالم كذلك مادة جامدة لا روح لها ولا مدبر لها، ولا غرض لها، أو أن تكون لنا روح وعقل وغرض، وللعالم روح وعقل وغرض، تتجاوب روحنا مع روحه، وتتحدد أغراضنا بأغراضه، والأول الكفر، والثاني الإيمان؛ فإن حكمت بعقلك فقد آمنت بعقلك، وآمنت تبعا لذلك بعقل العالم؛ وهو الإيمان.

وكما أحكم «عقل العالم» تدبير العالم ونظامه، كذلك أشع عليه من جماله، فالعالم مغمور بالجمال في صغيره وكبيره ودقيقه وجليله، في السماء والأرض، في النجوم بضيائها ولمعانها، في السحاب المسخر بين السماء والأرض، في عظمة البحار، في جلال الجبال، في شروق الشمس وغروبها، في الطير يطير في السماء، في السمك يغوص في الماء، في الحركة والسكون، في الأشكال والألوان.

الطبيعة جميلة في كل جزء من أجزائها، وأجمل من أجزائها جمال كلها، فليس الكل يساوي الأجزاء، فجمال أجزاء الطائرة مفرقة ليس كجمال الطائرة كلها طائرة، ولا جمال أجزاء الإنسان كجمال الإنسان كلا، إن الطبيعة في جمالها ككل تسحر العين، وتأخذ باللب، وتملأ القلب روعة، حتى ليشعر في وقت صفائه أن هذا فوق أن يوصف، والألفاظ أعجز من أن تعبر عنه.

وكما كان أكبر قيمة للإنسان عقله الذي استطاع به أن يدرك عقل العالم وتدبيره ونظامه، كذلك من أكبر قيمته شعوره الجميل الذي استطاع به أن يدرك جمال العالم، ويتجاوب معه، ويأنس به؛ قد يكون في بعض اجزاء العالم قبح، ولكنه قبح لطيف لولاه ما استطعنا أن ندرك جمال الجميل.

إن كان تدبير العالم وإحكام نظامه لا بد أن يصدر عن عقل للعالم منظم، فجماله الذي يشع فيه في دقة لا بد كذلك أن يصدر عن خالق منسق.

لقد زعم بعض أصحاب مذهب النشوء والارتقاء أن الجمال نشأ عن قانون الانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح، وأن الجمال في الجنس منحة الطبيعة لإغراء الجنس، كالأنثى تتبرج للرجل حفظا للنوع، فإن كان هذا صحيحا فما تفسير جمال الجماد وجمال المناظر الطبيعية؟ •••

هذا هو الجانب الإيجابي في الاعتراف بالله، وهناك الجانب السلبي، وهو لا يقل عنه قوة وإقناعا.

لقد تقدم العلم وتقدم، واعتز بنفسه وملأه الغرور، ومع هذا كله لم يستطع أن يفسر إلا السطح وإلا المظاهر، ما العلة الأولى للخلق؟ من الذي بعث الحياة في الخلية الأولى للعالم؟ كيف تفسر ملايين الحقائق في عجائب الطبيعة وفي عجائب أنفسنا؟

إن أقصى ما يصبو إليه العلم أن يعرف نصف الحقائق، وهو الظاهر والإجابة عن «كيف»، أما النصف الآخر - وهو أقوم النصفين - وهو باطن الحقائق، والإجابة عن «ما هي» لا كيف هي، فعاجز كل العجز عنه لا يستطيع أن ينبس فيه بحرف.

إن من يؤمن بالعلم وحده وينكر ما وراءه، ومن يؤمن بالقوانين العلمية وينكر ما عداها لا يؤبه بقوله حتى يقول: إني أستطيع أن أفسر العالم من ألفه إلى يائه، فأما أن يفسر الآلة ولا يفسر محركها، ويفسر تطور الحياة وتدرجها ولا يفسر كيف وجدت لأول عهدها بالوجود فضرب من السخف، أو هو على أحسن تفسير كقول الطفل لا أعلم؛ لأنه يريد أن يتعلم.

إنكار العلة الأولى للعالم وعقل العالم الذي يدبره يلقي على عاتقنا عبئا لا نستطيع حمله.

إن العلم في حقيقة أمره يزيد عجائبنا ولا يحلها، هذا الفلكي بعلمه ودقته وحسابه ورصده وآلاته ماذا صنع؟ أبان بأن ملايين النجوم في السماء بالقوة المركزية بقيت في أماكنها أو أتمت دورتها، كما أن قوة الجاذبية في العالم حفظت توازنها ومنعت تصادمها؛ ثم استطاعوا أن يزنوا الشمس والنجوم ويبينوا حجمها وسرعتها وبعدها عن الأرض، فزادوا عجبا، ولكن ما الجاذبية وكيف وجدت وما القوة المركزية وكيف نشأت؟ وهذا النظام الدقيق العجيب كيف وجد؟ أسئلة تخلى عنها الفلكي لما عجز عن حلها؛ وأبان الجيولوجي لنا من قراءة الصخور كم من ملايين السنين قضتها الأرض حتى بردت، وكم آلاف من السنين مرت عليها في عصرها الجليدي، وكيف غمرت بالماء، وكيف ظهر السطح، وأسباب البراكين والزلازل، وكذلك فعل علماء الحياة في حياة الحيوان، وعلماء النفس في نفس الإنسان؛ ولكن هل شرحوا إلا الظاهر، وهل زادونا إلا عجبا؟ سلهم كلهم بعد السؤال العميق الذي يتطلبه العقل دائما وهو: من مؤلف هذا الكتاب المملوء بالعجائب التي شرحتم بعضها وعجزتم عن أكثرها؟ أتأليف ولا مؤلف، ونظام ولا منظم، وإبداع ولا مبدع؟ من أنشأ في هذا العالم الحياة وجعلها تدب فيه؟ من عقله الذي يدبره.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٣٥