تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقال له صديقه: ما أظنك ملحدا؛ لأني أرى فيك ملامح إيمان:

فأكد له الرجل إلحاده.

وما زال الصديق ينكر، والرجل يؤكد حتى استفز الملحد الغضب، فصرخ قائلا: «والله العظيم إني ملحد».

هذه القصة تمثل ما ركز في طبيعة الإنسان من إيمان بإله، مهما انحرف العقل وطغى المنطق، ولهذا نرى كثيرا من العلماء قد كفرت عقولهم وآمنت قلوبهم، قد تختلف صور الإله باختلاف عقلية الأمم واختلافها في البداوة والحضارة، والعلم والجهل؛ ولكنها كلها تشترك في النزوع الفطري إلى إله له القوة والسلطان، وبيده الأمر.

لقد جاءت الثورة الفرنسية فرأت ما فعله رجال الكنيسة من اضطهاد العقل، وغلول الفكر، والتدخل فيما ليس من شأنهم، وإظلام الحياة حولهم، فثار رجال الثورة عليهم وعلى دينهم، وأعلنوا أنهم يريدون إلغاء الله، ولكن ماذا كان؟ هدأت الثورة، وخمدت النار، ورجع الناس إلى ربهم، ولم يلغ الله؛ ولكن ألغيت تعاليم الثورة في هذا الشأن؛ لأنها ضد طبيعة الإنسان.

وحاول بعض رجال الثورة في تركيا إلغاء الدين وإلغاء عبادة الله، ثم ذهبت دعوتهم مع الريح، وذهبوا هم وبقي الدين، وبقي الناس مع الدين.

وجاءت الثورة الروسية أول أمرها داعية إلى إلغاء الله، وإلغاء الحرية، وإلغاء فكرة الخلود؛ ثم ما لبث الدين أن عاد، تغير شكله وبقي جوهره، وذهب تركبه وبقيت بساطته، وعلى كل حال فهو الدين، وهو الله. •••

ولكن ما الذي لفت الإنسان إلى الله؟

لفته أولا شعوره، والشعور جزء هام من تكوينه، ومصدر صحيح من مصادر معارفه، وعليه يعتمد في كثير من شئون حياته، فما الصداقة، وما الأبوة والأمومة، وما الحب والكره، وما الإحسان والإنسانية لولا الشعور، ولو انعدم الشعور لكانت حياتنا جافة لا طعم لها، بل لم تكن حياة أصلا؛ فالشعور بالله جزء مكون لحياتنا كسائر ما ندرك بالشعور.

ثم اهتدى إليه العقل بعد ما اهتدى إليه الشعور.

لقد كان من أهم ما استكشفه الإنسان إدراكه أن العالم وحدة، وأنه يتبع نظاما في منتهى الدقة يدركه الإنسان لأول وهلة في تعاقب الليل والنهار، والصيف والشتاء، وحركات الشمس والقمر، ثم كلما زاد تعمقه في دراسة الطبيعة ازداد إيمانا بهذا النظام ودقته؛ فإذا تبين في شيء ما فوضى أدرك فيما بعد أن ذلك يعود إلى جهله بقوانينه لا حاجته إلى النظام؛ وأكثر الناس إيمانا بالنظام في فرع من فروع العلم علماء ذلك الفرع، فالفلكيون أشد الناس إيمانا بنظام الكواكب، وعلماء الحيوان في الحيوان، وعلماء النبات في النبات، وعلماء وظائف الأعضاء في وظائف الأعضاء، وأطباء العيون في العيون، وهكذا، كل يدرك أتم نظام وأدقه في فرعه؛ والفيلسوف يدرك ذلك في العالم كوحدة، بل يدرك أنه لولا نظام ناحية من نواحي العالم ما كان لها علم، فالعلم معناه جملة من القوانين المنظمة بجانب من جوانب الحياة، كالنبات والحيوان والفلك، حتى الجسم في مقاومته المرض يفعل الأعاجيب في نظامه، ولولا ذلك ما كان طب؛ ثم كل جزء من أجزاء العالم مرتبط بأجزائه الأخرى، يخضع هو وهي لنظام عام كعلاقة الخلية في الجسم بالجسم كله؛ فالعالم حروف هجاء ترتبط ألفه ببائه ارتباطا قريبا، وألفه بيائه ارتباطا بعيدا، وكلها تكون نظاما واحدا، وتخضع لقوانين واحدة، حتى إن العالم الدقيق النظر لو تعمق في دراسة جزء من أجزاء العالم أعانه ذلك على فهم سائر أجزائه لشبه القوانين ووحدة النظام، وبلغ من دقة نظامه أنه لولا نظامه ما وجد.

وبعد فإذا رأينا آلة تسير جزمنا أن وراءها محركا حركها، وعقلا دبرها؛ وإذا رأينا إنسانا يعمل ويتحرك ويتصرف جزمنا أن فيه عقلا يدبره ويصرفه، فإذا فارقه العقل فارقه العمل والتحرك والتصرف، فكيف يسير هذا العالم وفق هذا النظام الذي رأينا ولا يكون له عقل يصرفه وروح ينظمه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٣٤